الباب التاسع: ما رواه عن آبائه أو غيرهم‏

    وفيه فصول‏

    الفصل الأوّل: ما رواه من الأحاديث القدسيّة

    الفصل الثاني: ما رواه عن الملائكة

    الفصل الثالث: ما رواه عن الأنبياء

    الفصل الرابع: ما رواه عن الأئمّة

    الفصل الخامس: ما رواه عن غيرهم‏

 

    الباب التاسع ما رواه عن آبائه: أو غيرهم‏

    وهو يشتمل على خمسة فصول‏

    الفصل الأوّل: ما رواه من الأحاديث القدسيّة

    وفيه ثمانية أحاديث‏

    ١- الإمـام العسكريّ‏ عليه السـلام: قال علـيّ بن محمّد عليهما السلام:... فإنّ رسول ‏اللّه‏ صلى الله عليه و آله

    وسلم لمّا ترك التجارة إلى الشام، ... كان يغدو كلّ يوم إلى حراء يصعده وينظر من قلله إلى آثار رحمة اللّه ...

    ونودي في سرّه: يا محمّد! هذا عليّ بن أبي طالب صفيّي الذي أُؤيّد به هـذا الدين، يرجّح على جميع أُمّتك بعدك

    ... .

    {تفسير الإمام العسكريّ‏ عليه السلام: ١٥٦، ح ٧٨.

    تقدّم الحديث بتمامه في ج ٢، رقم ٥٤٧}.

 

 

 

 

    ٢- الشيخ الصدوق رحمه الله؛:... عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ، عن عليّ بن محمّد عليهما السلام...  قال:

    لمّا كلّم اللّه عزّ وجلّ موسى بن عمران‏ عليهما السلام قال موسـى: إلهي! ما جزاء من شهد أنّي رسـولك ونبيّك

    وأنّك كلّمتني؟

    قال: يا موسى! تأتيه ملائكتي فتبشّره بجنّتي.

    قال موسى: إلهي! فما جزاء من قام بين يديك يصلّي؟ قال: يا موسـى! أُباهي به ملائكتـي راكعا وساجـدا وقائما

    وقاعدا، ومن باهيت به ملائكتي لم ‏أُعذّبه....

    {الأمالي: ١٧٣، ح ٨.

    يأتي الحديث بتمامه في رقم ١٠٤٦}.

 

 

 

 

    ٣- الشيخ الطوسـيّ رحمه الله؛: أبو محمّد الفحّـام قال: حدّثنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عبيد اللّه المنصوريّ

    قال: حدّثنا عمّ أبي، أبو موسى عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور قال: حدّثنا الإمام عليّ بن محمّد قال: حدّثني

    أبي، محمّد ابن عليّ قال: حدّثنا أبي، عليّ بن موسى قال: حدّثنا أبي ، موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي، جعفر بن

    محمّد  قال: حدّثني أبي، محمّد ابن عليّ قال: حدّثني أبي ، عليّ بن الحسين قال: حدّثني أبي، الحسين بن عليّ، عن

    أمير المؤمنين: قال: قال النبيّ‏ صلى الله عليه و آلـه وسلم: يقول اللّه عزّ وجلّ: ياابن آدم! ماتنصفني، أتحبّب إليك

    بالنعم، وتتمقّت إليّ بالمعاصي، خيري عليك نازل وشـرّك إليّ صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كلّ يوم

    وليلة بعمل قبيح. يا بن آدم! لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم من الموصوف لسارعت إلى مقته. يابن آدم!

    أذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، ولا أمحقك فيمن أمحق.

    {الأمالي: ٢٧٨، ح ٥٣٢ عنه البحار: ٣٥٢/٧٠، ح ٥١، و١٥٢/٩٠، ح ٨.

    الجواهر السنيّة: ١٢٥، س ٢٣}.

 

 

 

 

    ٤- الشيخ الطوسيّ رحمه الله؛:... عليّ بن محمّد النوفليّ قال: سمعته[أي أبا الحسن عليه السلام] يقـول: إنّ العبد

    ليقوم في الليل فيميل به النعاس يمينا وشمالاً، وقد وقع ذقنه على صدره فيأمر اللّه تعالى أبواب السماء ، فتنفتح ثمّ

    يقـول للملائكـة: اُنظروا إلى عبدي ما يصيبه في التقرّب إليّ بما لم أفترض عليه راجيا منّي لثلاث خصال، ذنبا

    أغفره له، أو توبة أُجدّدها له، أو رزقا أزيده فيه، اشهدوا ملائكتي! أنّي قد جمعتهنّ له.

    {تهذيب الأحكام: ١٢١/٢، ح ٤٦٠.

    تقدّم الحديث بتمامه في ج ٢، رقم ٦٣٤}.

 

 

 

 

    ٥- الراونديّ رحمـه الله؛:... عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال: سمعت عليّ ابن محمّد العسكريّ صلوات اللّه

    عليهما يقول:... وأوحى اللّه تعالى إلى نوح‏ عليه السلام: إنّي قد جعلت قوسـي أمانا لعبادي وبلادي، وموثقا منّي

    بيني وبين خلقي، يأمنون به إلى يوم القيامة من الغرق، ومن أوفى بعهده منّي... .

    {قصص الأنبياء: ٨٥، ح ٧٧.

    تقدّم الحديث بتمامه في ج ٢، رقم ٥٤٣}. 

 

 

 

 

    ٦- الحرّ العامليّ رحمه الله؛: حدّثنا أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد بن عبيد الضبي قـال: حدّثنا أبو القاسم

    محمّد بن عبيد اللّه بن بابويه الرجل الصالح قال: حدّثنا أبو محمّد أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن هاشم الحافظ قال:

    حدّثني الحسين ابن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر، السيّد المحجوب إمام عصره بمكّـة قال: حدّثني

    أبي عليّ بن محمّد النقيّ قال: حدّثني أبي محمّد بن عليّ التقيّ قال: حدّثني أبي عليّ بن موسـى الرضـا قـال:

    حدّثني أبي موسى بن جعفر الكاظم قال: حدّثني أبي جعفر بن محمّد الصادق قال: حدّثني أبـي محمّد بن علـيّ

    الباقر قال: حدّثني أبي عليّ بن الحسين السجّـاد زين العابدين قال: حدّثني أبي الحسين ابن عليّ سيّد شباب أهل

    الجنّة قال: حدّثني أبي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب سيّد الأوصياء قال:حدّثني محمّد بن عبد اللّه سيّد الأنبياء

    صلى الله عليه و آله وسلم قال: حدّثني جبرائيل سيّد الملائكة قال: قال اللّه سيّد السادات عزّ وجلّ: «إنّي أنا اللّه

    لا إله إلّا أنا، فمن أقرّ بالتوحيد دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي».

    {الجواهر السنيّة: ١١٨، س ١٢}.

 

 

 

 

    ٧- الحرّ العامليّ رحمـه الله؛: عن والده قال: أخبرنا أبو محمّد الفحّام قال: حدّثنا أبو الحسن محمّد بن أحمد بن

    عبد اللّه المنصوريّ قال: حدّثنا عمّ أبي موسى بن عيسى بن أحمد بن عيسى المنصوريّ قال:{فـي المصدر: عمّ

    أبي موسى بن عيسى بن أحمد بن عيسى المنصوريّ ، وهو تصحيف وما أثبتناه هو الصحيح} حدّثني الإمام عليّ

    بن محمّد قال: حدّثني أبي محمّد بن عليّ قال: حدّثني أبي عليّ بن موسى قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر قال:

    حدّثني أبي جعفر بن محمّد قال: حدّثنـي أبي محمّد بن عليّ قال: حدّثني أبي علـيّ بن الحسين قال: حدّثني أبي

    الحسين بن عليّ قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب: قال: قال النبيّ‏ صلـى الله عليه و آله وسلم: قال اللّه عـزّ

    وجلّ: «لا إله إلّا اللّه حصني فمن دخله أمن من عذابي».

    {الجواهر السنيّة: ١٢٦، س ١٢}.

 

 

 

 

    ٨- البحرانيّ رحمه الله؛:... عليّ بن عبيد اللّه الحسينيّ قال: ركبنا مع سيّدنا أبي ‏الحسن ‏عليه السـلام إلى دار

    المتوكّل في يوم السلام،... .

    قال‏ عليه السلام:... اعلم! أنّ رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم حجّ حجّة الوداع، فنزل بالأبطـح بعد فتح

    مكّة، فلمّا جنّ عليه الليل أتى القبور، قبور بني هاشم، وقد ذكر أباه وأُمّـه وعمّه أبا طالب،... فأوحى اللّه إليه

    أنّ الجنّة محرّمة على من أشرك بي، وإنّي أُعطيك يا محمّد! ما لم أُعطه أحدا غيرك ، فادع أباك وأُمّك وعمّك

    فإنّهم يجيبونك ويخرجـون من قبورهم أحياء لم يمسّهم عذابي لكرامتك علـيّ، فادعهم إلى الإيمان[باللّه وإلى‏]

    رسالتك و[إلى‏] موالاة أخيك ‏عليّ‏ والأوصياء منه إلى يوم القيامة، فيجيبونك ويؤمنون بك... .

    {مدينة المعاجز: ٥٣٥/٧، ح ٢٥١٨.

    تقدّم الحديث بتمامه في ج ١، رقم ٥٢٧}.

 

  

    الفصل الثاني: ما رواه عن الملائكة

    - ما رواه‏ عليه السلام عن جبرائيل

    ١- الإمام العسكريّ‏ عليه السلام: قال عليّ بن محمّد عليهما السلام:... ونظر إلى جبرئيل الروح الأمين المطوّق

    بالنور ... وقال: يا محمّد! إقرأ! قال: وما أقرأ؟

    قال: يا محمّد! (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ - إلى قوله - مَا لَمْ يَعْلَمْ)... .

    {تفسير الإمام العسكريّ‏ عليه السلام: ١٥٦، ح ٧٨.

    تقدّم الحديث بتمامه في ج ١، رقم ٥٤٧}.

  

 

    الفصل الثالث: ما رواه عن الأنبياء:

    وفيه أربعة موضوعات‏

    - ما رواه عن نوح‏ عليهما السلام

    ١- الراونديّ رحمه الله؛:... عبد العظيم بن عبد اللّه الحسنيّ قال: سمعت عليّ ابن محمّد العسكريّ صلوات اللّه

    عليهما يقـول: عاش نـوح صلوات اللّه عليه ألفين وخمسمائة سنة، وكان يوما في السفينـة نائما، فضحك حام

    ويافث، فزجرهما سام ونهاهما عن الضحك، فانتبه نوح صلوات اللّه عليه، وقال لهما: جعل اللّه ذرّيتكما خولاً

    لذريّة سام إلى يوم القيامة، لأنّه برّني وعققتماني ، فلا زالت سمة عقوقكما في ذريّتكما ظاهرة، وسمة البرّ في

    ذريّة سام ظاهرة ما بقيت الدنيا،... .

    {قصص الأنبياء: ٨٥، ح ٧٧.

    تقدّم الحديث بتمامه في ج ١، رقم ٥٤٣}.

 

 

 

 

    (ب) - ما رواه عن موسى‏ عليهما السلام

    ١- محمّد بن يعقـوب الكلينيّ رحمه الله؛:... الجعفريّ قال: سمعت أبا الحسن‏ عليه السلام يقول:... أما علمت

    بالذي كان من أصحاب موسى‏ عليه السلام ، وكان أبوه من أصحاب فرعون، فلمّا لحقت خيل فرعون موسـى،

    تخلّف عنه ليعظ أباه، فيلحقه بموسى، فمضى أبوه، وهو يراغمه حتّى بلغا طرفا من البحـر فغرقا جميعا، فأتى

    موسى‏ عليه السلام الخبر.

    فقال‏ عليه السلام: هو في رحمة اللّه، ولكن النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمّن قارب المذنب دفاع.

    {الكافي: ٣٧٤/٢، ح ٢.

    تقدّم الحديث بتمامه في رقم  ٧٥٣}.

 

 

 

 

    ٢- الشيخ الصدوق رحمه الله؛: حدّثنا عليّ بن أحمد قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد اللّه الكوفـيّ ، عن سهل بن

    زياد الآدميّ، عن عبد العظيم بن عبداللّه الحسنيّ، عن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن

    عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب: قال: لمّا كلّم اللّه عزّ وجلّ موسى بن عمران‏ عليهما السلام قال موسى:

    إلهي! ما جزاء من شهد أنّي رسولك ونبيّك وإنّك كلّمتني؟

    قال: يا موسى! تأتيه ملائكتي فتبشّره بجنّتي.

    قال موسى: إلهي! فما جزاء من قام بين يديك يصلّي؟

    قال: يا موسى! أُباهي به ملائكتي راكعا وساجدا وقائما وقاعدا، ومن باهيت به ملائكتي لم أُعذّبه.

    قال موسى: إلهي! فما جزاء من أطعم مسكينا ابتغاء وجهك؟

    قال: يا موسى! آمر مناديا ينادي يوم القيامة على رؤوس الخلائق إنّ فلان ابن فلان من عتقاء اللّه من النار.

    قال موسى: إلهي! فما جزاء من وصل رحمه؟

    قال: يا موسى! أُنسي له أجله، وأهون عليه سكرات الموت، ويناديه خزنة الجنّة هلمّ إلينا فادخل من أيّ  أبوابها

    شئت.

    قال موسى: إلهي! فما جزاء من كفّ أذاه عن الناس وبذل معروفه لهم؟

    قال: يا موسى! يناديه النار يوم القيامة لا سبيل لي عليك.

    قال: إلهي! فما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه؟ 

    قال: يا موسى! أُظلّه يوم القيامة بظلّ عرشي، وأجعله في كنفي.

    قال: إلهي! فما جزاء من تلا حكمتك سرّا وجهرا؟

    قال: يا موسى! يمرّ على الصراط كالبرق.

    قال: إلهي! فما جزاء من صبر على أذى الناس وشتمهم فيك؟

    قال: أُعينه على أهوال يوم القيامة.

    قال: إلهي! فما جزاء من دمعت عيناه من خشيتك؟

    قال: يا موسى! أقي وجهه من حرّ النار وأُؤمّنه يوم الفزع الأكبر.

    قال: إلهي! فما جزاء من ترك الخيانة حياء منك؟

    قال: يا موسى! له الأمان يوم القيامة.

    قال: إلهي! فما جزاء من أحبّ أهل طاعتك؟

    قال: يا موسى! أُحرّمه على ناري.

    قال: إلهي! فما جزاء من قتل مؤمنا متعمّدا؟

    قال: لا أنظر إليه يوم القيامة، ولا أقيل عثرته.

    {وفـي الحديث«من أقال نادما أقاله اللّه من نـار جهنّم»: أي وافقـه علـى نقض البيع وأجابـه إليه. مجمع

    البحرين: ٤٥٩/٥(قول)}{العثرة: الزلّة. المعجم الوسيط: ٥٨٤ (عثر)} قال: إلهي! فما جـزاء من دعـى نفسا

    كافرة إلى الإسلام؟

    قال: يا موسى! آذن له في الشفاعة يوم القيامة لمن يريد.

    قال: إلهي! فما جزاء من صلّي الصلاة لوقتها؟

    قال: أعطيه سؤله، وأبيحه جنّتي.

    قال: إلهي! فما جزاء من أتمّ الوضوء من خشيتك؟

    قال: أبعثه يوم القيامة وله نور بين عينيه يتلألأ.

    قال: إلهي! فما جزاء من صام شهر رمضان لك محتسبا؟

    قال: يا موسى! أُقيمه يوم القيامة مقاما لا يخاف فيه.

    قال: إلهى! فما جزاء من صام شهر رمضان يريد به الناس؟

    قال: يا موسى! ثوابه كثواب من لم يصمه.

    {الأمالي: ١٧٣، ح ٨

   عنه البحار: ٣٢٧/١٣، ح ٤، ٣٨٣/٦٦، ح ٤٦، و٤٢١/٦٨، ح ٥٧، قطعة منه، و٣٨٢/٧١، ح ٨٩، قطعة منه،

    و١٧٠/٧٢، ح ١، قطعة منه، و٣٠١/٧٧، ح ١، قطعة منه، و٢٠٤/٧٩، ح  ٥، و٣٢٨/٩٠ ح‏١، قطعـة منـه،

    و٣٦٣/٩٣، ح ٣٣، قطعة منه، و٣٦٩/١٠١، ح ٢، قطعة منه، ومستدرك الوسائل: ٩٧/٣، ح  ٣١١٠، قطعـة

    منه، و٢٣٨/١١، ح ١٢٨٤٩، قطعة منه، و٢٤٠/١٢ ح‏١٣٩٩٥، قطعة منه، و ٤٨٥/٧، ح ٨٧١٢، قطعـة منه،

    والفصول المهمّة للحرّ العامليّ: ٦٠٥/١، ح ٩٥٣، قطعة منه.

    الجواهر السنيّة: ٤٧، س ٢٣.

    قصص الأنبياء للجزايريّ: ٣٠١، س ٩.

    قطعة منه في(مناجاة موسى‏ عليه السلام)، و(ما رواه من الأحاديث القدسيّة)}.

 

 

 

 

    (ج) - ما رواه عن رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله وسلم

    ١- الإمام الحسن العسكريّ‏ عليه السلام: وقال عليّ بن محمّد صلوات اللّه عليهما: وأمّا دعاؤه ‏صلى الله عليه

    و آله وسلم الشجرة، فإنّ رجلاً من ثقيف كان أطبّ الناس يقال له: الحارث بن كلدة الثقفي جاء إلى رسـول

    اللّه‏ صلى الله عليه و آله وسلم.

    فقال: يا محمّد! جئت لأداويك من جنونك، فقد داويت مجانين كثيرة فشفوا على يدي.

    فقال رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم: يا حارث! أنت تفعل أفعال المجانين وتنسبني إلى الجنون.

    فقال الحارث: وماذا فعلته من أفعال المجانين؟

    قال‏ صلى الله عليه و آله وسلم: نسبتك إيّاى إلى الجنون من غير محنة منك، ولا تجربة، ولانظر في صدقي

    أو كذبي.

    فقال الحارث: أو ليس قد عرفت كذبك وجنونك بدعواك النبوّة التي لاتقدر لها؟

    فقال رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم: وقولك لا تقدر لها فعل المجانين لأنّك لم تقل لم‏ قلت كذا ، ولا

    طالبتني بحجّة فعجزت عنها.

    فقال الحارث: صدقت أنا أمتحن أمرك بآية أُطالبك بها، إن كنت نبيّا فادع تلك الشجرة - وأشـار لشجـرة

    عظيمة بعيد عمقها- فإن أتتك علمت أنّك رسول ‏اللّه وشهدت لك بذلك، وإلّا فأنت[ذلك‏] المجنون الذي قيل لي.

    فرفع رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم يده إلى تلك الشجرة وأشار إليها أن تعالـي، فانقلعت الشجـرة

    بأصولها وعروقها ، وجعلت تخدّ في الأرض أخدودا عظيما كالنهر حتّى دنت من رسول اللّه ‏صلى الله عليه

    وآله وسلم، فوقفت بين يديه، ونادت بصوت فصيح: هاأنا ذا يا رسول اللّه[صلى اللّه عليك‏] ما تأمرني؟

    فقال لها رسول اللّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم: دعوتك لتشهدي لي بالنبوّة بعد شهادتك للّه بالتوحيد، ثمّ تشهدي

    [بعد شهادتك لي‏] لعلي‏ عليه السلام هذا بالإمامة، وإنّه سندي وظهري، وعضدي وفخري [وعزّي‏]، ولولاه ما

    خلق اللّه عزّ وجلّ شيئا ممّا خلق.

    فنادت، أشهد أنّ لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أنّك يا محمّد عبده ورسوله، أرسلك بالحـقّ بشيرا

    [ونذيرا]، وداعيا إلى اللّه بإذنه، وسراجا منيرا، وأشهد أنّ عليّا ابن عمّك هـو أخوك في دينك،[و] أوفر خلق

    اللّه من الدين حظّا، وأجزلهم من الإسلام نصيبا، وأنّه سندك وظهرك ، [و]قامع أعدائك، وناصر أوليائك، [و]

    باب علومك فـي أُمّتك، وأشهد أنّ أولياءك الذين يوالونه ويعادون أعداءه حشو الجنّة، وأنّ‏ {(حشا) الوسـادة

    ونحوها حشوا: ملأها بالقطن ونحـوه. المعجم الوسيط:  ١٧٧} أعداءك الذين يوالون أعداءه ويعادون أولياءه

    حشو النار.

    فنظر رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم إلى الحارث بن كلدة.

    فقال: يا حارث! أو مجنونا يعدّ من هذه آياته؟

    فقال الحارث بن كلدة: لا واللّه يا رسـول اللّه! ولكنّي أشهد أنّك رسـول ربّ العالمين وسيّد الخلق أجمعين،

    وحسن إسلامه.

    {تفسير الإمام العسكريّ‏ عليه السلام: ١٦٨، ح ٨٣ عنه البحـار: ٣٧/١٧، ضمن ح ١٤، ومدينـة المعاجـز:

    ٣٥٠/١، ح ٢٢٧، وحلية الأبرار: ١٦٢/٢، ح ٢، وإثبات الهداة: ٣٩٢/١، ح ٦٠٠، قطعة منه.

    قطعة منه في(شهادة الشجرة برسالة رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم)}.

 

 

 

 

    ٢- الإمام الحسن العسكريّ‏ عليه السلام: فقلت لأبي عليّ بن محمّد عليهما السلام: فهل كان رسـول اللّه ‏صلى

    الله عليه و آله وسلم يناظرهم إذا عانتوه ويحاجّهم؟

    قال‏ عليه السلام: بلى! مرارا كثيرة، منها: ما حكى اللّه من قولهم (وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطّعَامَ وَيَمْشِى

    فِى الْأَسْوَاقِ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ) إلى قولـه: (رَجُـلاً مّسْحُورًا){الفرقان: ٧/٢٥ و ٨}. (وَقَالُـواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا

    الْقُرْءَانُ عَلَى‏ رَجُلٍ مِّنَ‏ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ){الزخرف: ٣١/٤٣}. (وَقَالُواْ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّـى‏ تَفْجُـرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ‏

    يَنبُوعًا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَـوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِّيَتّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمّا يَجْمَعُـونَ  من

    الأرض ينبوعا)- إلى قوله - (كِتَبًا نّقْرَؤُهُ‏) {الإسراء: ٩٠/١٧ - ٩٣}، ثمّ قيل له فـي آخر ذلك: لـو كنت نبيّا

    كموسى لنزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إليك لأنّ مسألتنا أشدّ من مسألة قوم موسى لموسى.

    قال: وذلك أنّ رسول اللّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم كان قاعدا ذات يوم بمكّة بفناء الكعبـة إذ اجتمع جماعـة

    من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبوالبختريّ بن هشام، وأبو جهل بن هشام، والعاص بن

    وائل السهمي، وعبد اللّه بن أبي أُميّة المخزومـي، وكـان معهم جمع ممن يليهم كثير، ورسول ‏اللّه‏ صلى الله

    عليه و آله وسلم في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب اللّه ويؤدّي إليهم عن اللّه أمره ونهيه.

    فقـال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحـل أمر محمّد، وعظم خطبه‏{استفحـل الأمر: تفاقم. المنجد: ٥٧١

    (فحـل)}{الخَطبُ: الأمـر الشديد. المصباح المنير: ١٧٣(خطب)} فتعالـوا نبدأ بتقريعه، وتبكيته، وتوبيخـه،

    والاحتجاج عليه، وإبطـال‏{قرّعـه: أوجعـه باللوم والعتاب. المعجم الوسيط: ٧٣٥(قـرع)}{التبكيت: التقريع

    والتوبيخ. مجمع البحرين: ١٩٢/٢(بكت)} ما جاء به ليهـوّن خطبه على أصحابه، ويصغّر قدره عندهم، فلعلّه

    ينزع عمّا هو فيه من غيّه وباطله، وتمرّده وطغيانه، فإن انتهى وإلّا عاملناه بالسيف الباتر.

    {الباتر: السيف القاطع. مجمع البحرين: ٢١٣/٣ (بتر)} قال أبو جهل: فمن[ذا] الذي يلي كلامه، ومجادلته؟

    قال عبد اللّه بن أبي أُميّة المخزومي: أنا إلى ذلك، أفما ترضاني له قرنا حسيبا، ومجادلاً كفيّا؟

    قال أبو جهل: بلى!

    فأتوه بأجمعهم، فابتدأ عبد اللّه بن أبي أُميّة المخزومي ، فقال: يا محمّد! لقد ادعيت دعوى عظيمة، وقلت مقالاً

    هائلاً زعمت أنّك رسـول رب ‏{الهـول: العظيم، المراد به الفزع العظيم، ومنه الحديث «المال رزق هائل».

    مجمع البحرين: ٥٠١/٥ (هـول)} ‏العالمين، ومـا ينبغي لربّ العالمين، وخالق الخلق أجمعين، أن يكون مثلك

    رسولاً له! بشر مثلنا تأكل كما نأكل، وتمشي في الأسـواق كما نمشي، فهذا ملك الروم، وهـذا ملك الفرس،

    لا يبعثان رسولاً إلّا كثير المال، عظيم الحـال، له قصور ودور، [وبساتين‏] وفساطيط وخيام، وعبيد وخـدّام،

    وربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم أجمعين، فهم عبيده ولو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدّقك ونشاهده. بل ‏لو أراد

    اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكا لابشرا مثلنا، ما أنت يا محمّد! إلّا مسحورا، ولست بنبيّ.

    فقال رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم: هل بقي من كلامك شي‏ء؟

    قال: بلى! لو أراد اللّه أن يبعث رسـولاً لبعث أجلّ من فيما بيننا مالاً، وأحسنه حالاً، فهلّا نزل هذا القرآن -

    الذي تزعم أنّ اللّه أنزله عليك وابتعثك بـه رسـولاً - على رجـل من القريتين عظيم، إمّا الوليد بن المغيرة

    بمكّة، وإمّا عروة بن مسعود الثقفيّ بالطائف؟

    فقال رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم: هل بقي من كلامك شي‏ء يا عبد اللّه!؟

    قال: بلى! لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكّة هذه، فإنّها ذات حجارة وعـرة، وجبال تكسح

    أرضها وتحفرها، وتجري فيها العيون ، فإنّنا إلى ذلك محتاجون، أو تكون لك جنّـة من نخيل وعنب، فتأكل

    منها، وتطعمنا فتفجر الأنهار خلاله -خلال تلك النخيل والأعناب- تفجيرا، أو تسقط السماء كما زعمت علينا

    كسفا، فإنّك قلت لنا: (وَإِن يَرَوْاْ كِسْفًا مِّنَ السّمَآءِ سَاقِطًا يَقُولُواْ سَحَابٌ مّرْكُومٌ) {الطور: ٤٤/٥٢} ولعلّنا نقول

    ذلك. ثمّ قال: ولن نؤمن لك أو تأتي باللّه والملائكة قبيلاً، تأتي به وبهم وهم لنا مقابلون، أو يكون لك بيت من

    زخـرف تعطينا منه وتغنينا به، فلعلّنا نطغي فإنّك قلت لنا: (كَلّآ إِنّ الْإِنسَنَ لَيَطْغَى‏ * أَن رّءَاهُ اسْتَغْنَى‏){العلق:

    ٦/٩٦}.

    ثمّ قال: أو ترقى في السماء- أي تصعد في السمـاء - ولن نؤمن لرقيّك - لصعودك - حتّى تنزل علينا كتابا

    نقرأه من اللّه العزيز الحكيم إلى عبد اللّه ابن أبي أُميّـة المخزومي ومن معـه بأن آمنوا بمحمد بن عبد اللّه

    بن عبد المطلب فإنّه رسولي وصدّقوه في مقاله فإنّه من عندي.

    ثمّ لا أدري يا محمّد! إذا فعلت هـذا كلّه أومن بك، أو لا أومن بك ، بل ‏لو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها

    وأدخلتناها لقلنا: إنّما سكّرت أبصارنا وسحرتنا.

    فقال رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم: يا عبد اللّه! أبقي شي‏ء من كلامك؟

    قال: يا محمّد! أو ليس فيما أوردته عليك كفاية وبلاغ؟ مابقي شي‏ء، فقل مابدا لك، وافصح عن نفسك إن كانت

    لك حجّة، واتنا بما سألناك.

    فقال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله وسلم: اللّهمّ! أنت السامع لكلّ صوت، والعالم بكـلّ شـي‏ء تعلم ما قاله

    عبادك ... فأنزل اللّه عليه يا محمّد! (وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْـوَاقِ- إلى قوله -

    رَجُلاً مّسْحُورًا){الفرقان: ٧/٢٥ و ٨}.

    ثمّ قال اللّه تعالى: (انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً){الإسراء: ٤٨/١٧}.

     ثمّ قال اللّه: يا محمّد (تَبَارَكَ الّذِى إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنّتٍ تَجْـرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَيَجْعَل لّكَ

     قُصُورَ‏ا){الفرقان: ١٠/٢٥}.

     وأنزل عليه يامحمّد(فَلَعَلّكَ تَارِكُ‏ بَعْضَ مَا يُوحَى‏ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ‏ صَدْرُكَ){هود: ١٢/١١} الآية.

     وأنزل عليه: يا محمّد(وَقَالُواْ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لّقُضِىَ الْأمر - إلى قولـه - وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم

     مّا يَلْبِسُونَ){الأنعام:  ٨/٦ و ٩} فقال له رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله وسلم: يا عبد اللّه! أمّا ما ذكـرت

     من أنّي آكل الطعام كما تأكلـون، وزعمت أنّه لا يجوز لأجل هذه أن أكون للّه رسولاً، فإنّما الأمر للّه يفعل

     ما يشاء ويحكم ما يريد ، وهـو محمود، وليس لك ولا لأحـد الاعتراض عليه بلِمَ، وكيف. ألا ترى أنّ اللّه

     تعالى كيف أفقر بعضا وأغنى بعضا، وأعزّ بعضا وأذلّ بعضا ، وأصحّ بعضا وأسقم بعضا، وشـرّف بعضا

     ووضع بعضا، وكلّهم ممّن يأكل الطعام.

     ثمّ ليس للفقراء أن يقولـوا: لِمَ أفقرتنا وأغنيتهم؟ ولا للوضعاء أن يقولـوا: لِمَ وضعتنا وشرّفتهم؟ ولا للزمنى

     والضعفاء أن يقولوا : لِمَ أزمنتنا وأضعفتنا وصححّتهم؟ ولا لاذلّاء أن يقـولا: لِمَ أذللتنا وأعززتهم؟ ولا لقبائح

     الصور أن‏ يقولوا: لِمَ قبّحتنا وجمّلتهم؟ بل إن قالوا ذلك كانوا على ربّهم رادّين، وله في أحكامه منازعين، وبه

     كافرين، ولكـان جوابه لهم:[إنّي‏] أنا الملك، الخافض الرافع، المغني المفقر، المعزّ المذلّ، المصحّح المسقم،

     وأنتم العبيد، ليس لكـم إلّا التسليم لـي، والانقياد لحكمـي، فإن سلّمتم كنتم عبادا مؤمنين، وإن أبيتم كنتم بي

     كافرين، وبعقوباتي من الهالكين.

     ثمّ أنزل اللّه تعالـى عليه: يا محمّد(قُلْ إِنّمَآ أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى‏ إِلَىّ أَنّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) يعني آكـل الطعام

     (يُوحَى‏ إِلَىّ أَنّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ){الكهف: ١١٠/١٨} يعني قل لهم أنا فـي البشريّة مثلكم، ولكن ربّي خصّني

     بالنبوّة دونكم كما يخصّ بعض البشر بالغناء والصحّة والجمال دون بعض من البشر ، فلاتنكروا أن يخصّني

     أيضا بالنبوّة.

     ثمّ قال رسـول اللّه ‏صلـى الله عليه وآلـه وسلم: وأمّا قولك: «[إنّ‏] هذا ملك الروم، وملك الفرس لايبعثان

     رسولاً إلّا كثير المال، عظيم الحال، له قصور ودور ، وفساطيط وخيام، وعبيد وخدّام، وربّ العالمين فـوق

     هؤلاء كلّهم فهم عبيده»، فإنّ اللّه له التدبير والحكم لا يفعل علـى ظنّك وحسبانك، ولاباقتراحك؛ بل يفعل ما

     يشاء ويحكم ما يريد، وهو محمود يا عبد اللّه، إنّما بعث اللّه نبيّه ليعلّم الناس دينهم، ويدعوهم إلى ربّهم ويكدّ

     نفسه في ذلك آناء الليل وأطـراف النهار، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها، وعبيد وخـدم يسترونه عن

     الناس، أليس كانت الرسالة تضيع والأمور تتباطأ ما؟

     أو ترى الملوك إذا احتجبوا كيف يجري الفساد والقبائح من حيث لايعلمون به ولا يشعرون، يا عبد اللّه وإنّما

     بعثني اللّه ولا مال لي ليعرّفكم قدرته وقوّته، وإنّه هـو الناصر لرسولـه لا تقدرون على قتله، ولا منعه من

     رسالته، فهذا أبين في قدرته وفي عجزكم، وسـوف يظفرني اللّه بكم فأوسعكم قتلاً وأسـرا، ثمّ يظفرني اللّه

     ببلادكم، ويستولي عليها المؤمنون من دونكم ودون من يوافقكم على ‏دينكم.

     ثمّ قال رسـول اللّه‏ صلى الله عليه و آله وسلم: وأمـا قولك لي: «ولـو كنت نبيّا لكـان معك ملك يصدّقك

     ونشاهده؛ بل لو أراد اللّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث ملكـا لابشرا مثلنا» ، فالملك لا تشاهده حواسّكم

     لأنّه من جنس هذا الهواء، لاعيان منه ولو شاهدتموه- بأن يزاد في قوى أبصاركم - لقلتم ليس هـذا ملكا بل

     هذا بشر، لأنّه إنّما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي قـد ألفتموه لتفهموا عنه مقاله، وتعرفـوا به خطابـه

     ومراده ، فكيف كنتم تعلمـون صدق الملك وإنّ ما يقوله حقّ؟ بل إنّما بعث اللّه بشـرا ، وأظهر علـى يده

     المعجزات التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم ، فتعلمـون بعجزكم عمّا جـاء به أنّه

     معجزة، وأنّ ذلك شهادة من اللّه تعالى بالصدق له، ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما يعجز عنه البشر،

     لم يكن في ذلك ما يدلّكم، إنّ ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة، حتّى يصيّر ذلك معجزا.

     ألا ترون أنّ الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز، لأنّ لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها، ولـو أنّ آدميّا

     طار كطيرانها كان ذلك معجزا، فاللّه عزّ وجلّ سهّل عليكم الأمر ، وجعله بحيث تقـوم عليكم حجّته، وأنتم

     تقترحون عمل الصعب الذي لا حجّة فيه.

     {الاقتراح: ارتجال الكـلام، والاقتراح: ابتداع الشي‏ء تبتدعه وتقترحه من ذات نفسك من غير أن تسمعـه.

     لسان العرب: ٥٥٨/٢ (قرح)} ثمّ قال رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم: وأمّا قولك «ما أنت إلّا رجلٌ

     مسحورٌ» فكيف أكون كذلك، وقد تعلمون أنّي في صحّة التمييز والعقل فوقكم ، فهل جرّبتم عليّ منذ نشأت

     إلى أن استكملت أربعين سنة جريرة، أو زلّة أو كذبة أو خيانة، أو خطأ من القـول، أو سفها من الرأي؟

     أتظنّون أنّ رجـلاً يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه وقوّتها، أو بحول ‏اللّه وقوّته، وذلك مـا قـال اللّه

     تعالى:

     (انظُـرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلّواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) إلـى أن يثبتوا عليك عمىً بحجّـة أكثر من

     دعاويهم الباطلة التي تبيّن عليك تحصيل بطلانها.

     ثمّ قال رسـول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم: وأمّـا قولك (وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى‏ رَجُلٍ مِّنَ

     الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). الوليد بن المغيرة بمكّـة، أو عـروة بالطائف، فإنّ‏ اللّه تعالى ليس يستعظم مال الدنيا كما

     تستعظمه أنت، ولا خطـر له عنده كما [له‏] عندك؛ بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضـة لما سقى

     كافرا به مخالفا له شربة ماء، وليس قسمة رحمـة اللّه إليك؛ بل اللّه [هو] القاسم للرحمات، والفاعل لما

     يشاء في عبيده وإمائه، وليس هو عزّ وجلّ ممّن يخاف أحدا كما تخافه [أنت‏] لماله وحاله، فتعرفه بالنبوّة

     لذلك، ولا ممّن يطمع في أحد في ماله [أو في حاله‏] كما تطمع فتخصّه بالنبوّة لذلك، ولا ممّن يحبّ أحدا

     محبّة الهوى كما تحبّ، فتقدّم من لا يستحقّ التقديم.

     وإنّما معاملته بالعدل، فلا يؤثر بأفضل مراتب الدين وجلاله إلّا الأفضل في طاعته، والأجـد في خدمته،

     وكذلك لا يؤخّر في مراتب الدين وجلاله إلّا أشدّهم تباطوا عن طاعته ، وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى

     مال، ولا إلى حال، بل هذا المال والحال من تفضّله ، وليس لأحد من عباده عليه ضربة لازب؛ فلا يقال

     إذا تفضّل بالمال على عبده فلا بدّ [من‏] أن يتفضّل عليه بالنبوّة أيضا، لأنّه ليس لأحد إكراهه على خلاف

     مراده، ولا إلزامه تفضّلاً، لأنّه تفضّل قبله بنعمه.

     ألا ترى يا عبد اللّه! كيف أغنى واحدا وقبّح صورته ، وكيف حسّن صورة واحد وأفقره، وكيف شـرّف

     واحدا وأفقره، وكيف أغنى واحدا ووضعه.

     ثمّ ليس لهذا الغني أن يقول: وهلّا أُضيف إلى يساري جمال فلان، ولا للجميل أن يقول: هـلّا أُضيف إلى

     جمالي مال فلان، ولا للشريف أن يقـول: هلّا أضيف إلى شرفي مال فلان، ولا للوضيع أن يقـول: هلّا

     أضيف إلى ضعتي شرف فلان، ولكنّ الحكم للّه يقسم كيف يشاء، ويفعل كما يشاء، وهو حكيم في أفعاله،

     محمود في أعماله، وذلك قوله تعالـى: (وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى‏ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ). قال

     اللّه تعالى:.(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ - يا محمّد - نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدّنْيَا){الزخرف:

     ٣٢/٤٣} فأحوجنا بعضا إلى بعض، أحوجنا هذا إلى مال ذلك وأحـوج ذاك إلى سلعـة هذا، [وهذا] إلى

     خدمته، فترى أجلّ الملوك وأغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب، إمّا سلعـة

     معه ليست معه، وإمّا خدمة يصلح لها لا يتهيّأ لذلك الملك أن ‏يستغني[إلّا] به، وإمّا باب من العلوم والحكم

     فهو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير، فهذا الفقير يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني، وذلك الملك يحتاج

     إلى علم هذا الفقير، أو رأيه أو معرفته.

     ثمّ ليس للفقير أن يقـول : هلّا اجتمع إلى رأيي وعلمي وما أتصرّف فيه من فنون الحكم مـال هذا الملك

     الغني، ولا للملك أن يقول: هلّا اجتمع إلى ملكي علم هذا الفقير.

     ثمّ قال:(وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَتٍ لِّيَتّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيّا) ثم قـال: يا محمّد (وَرَحْمَتُ رَبِّكَ

     خَيْرٌ مِّمّا يَجْمَعُونَ) يجمع هؤلاء من أموال الدنيا.

     ثمّ قال رسـول اللّه‏ صلى الله عليه و آله وسلم: وأمّا قولك(وَقَالُواْ لَن نّؤْمِنَ لَكَ حَتّى‏ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ

     يَنبُوعًا) إلى آخر ماقلته، فإنّك اقترحت على محمّد رسول اللّه أشياء ، منها: ما لو جاءك به لم يكن برهانا

     لنبوّته، ورسول اللّه يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين، ويحتجّ عليهم بما لا حجّة فيه.

     ومنها: ما لـو جاءك به لكـان معـه هلاكك وإنّما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد اللّه الإيمـان بها،

     لا ليهلكـوا بها، فإنّما اقترحت هلاكك، وربّ العالمين أرحـم بعباده، وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما

     يقترحون.

     ومنها: المحال الذي لا يصحّ ولا يجـوز كونه، ورسـول اللّه ربّ العالمين يعرّفك ذلك ويقطع معاذيرك،

     ويضيق عليك سبيل مخالفته، ويلجئك بحجج ‏اللّه إلى تصديقه حتّى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص.

     {حـاد عنه يحيدُ حَيْدا وحَيْدانا ومحيدا وحيودا وحَيْدَةً وحَيْدودةً: مـال. القامـوس المحيط: ٥٦٤/١(حاد)}

     {المحيص: المحيدَ والمَعْدِلْ، والمَميلُ والمَهْرَب. القاموس المحيط: ٤٤٠/١(حاص)} ومنها: ما قد اعترفت

     على نفسك أنّك فيه معاند متمرّد ، لا تقبل حجّة ولاتصغي إلى برهان، ومن كان كذلك فدواؤه عقاب النار

     النازل من سمائه، أو في جحيمه، أو بسيوف أوليائه.

     وأمّـا قولك يا عبد اللّه! «لن نؤمن لك حتّى تفجـر لنا من الأرض ينبوعا، بمكّـة» فإنّها ذات حجـارة

     وصخور، وجبال تكسح أرضها وتحفرها {الكَسْحُ: الكَنْس، كسـح البيت والبئر، كنسـه. لسان العـرب:

     ٥٧٠/٢(كسح)} وتجـري فيها العيون، فإنّنا إلى ذلك محتاجون فإنّك سألت هـذا وأنت جاهل بدلائل اللّه

     تعالى. يا عبد اللّه أرأيت لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبيّا! أرأيت الطائف التي لك فيها بساتين أما كان

     هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها، وذللّتها وكسحتها، وأجريت فيها عيونا استنبطتها؟

     قال: بلى!

     قال: وهل لك في هذا نظراء؟

     قال: بلى!

     أفصرت بذلك أنت وهم أنبياء؟

     قال: لا!

     قال: فكذلك لا يصير هذا حجّة لمحمد لو فعله على نبوّته، فمـا هـو إلّا كقولك «لن نؤمن لك حتّى تقـوم

     وتمشي على الأرض، أو حتّى تأكل الطعام كما يأكل الناس».

     وأمّا قولك يا عبد اللّه«أو تكـون لك جنّـة من نخيل وعنب، فتأكل منها وتطعمنا، وتفجـر الأنهار خلالها

     تفجيرا»، أو ليس لأصحابك ولك جنّات من نخيل وعنب بالطائف، تأكلون وتطعمون منها، وتفجرون الأنهار

     خلالها تفجيرا، أفصرتم أنبياء بهذا؟ قال: لا!

     قال: فما بال اقتراحكم على رسول اللّه أشياء لو كانت كما تقترحـون، لما دلّت على صدقه؛ بل لـو تعاطاها

     لدلّ تعاطيه إيّاها على كذبه، لأنّه حينئذ يحتجّ بمالاحجّة فيه، ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم، ورسـول

     ربّ العالمين يجلّ ويرتفع عن هذا.

     ثمّ قال رسول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم: يا عبد اللّه! وأمّا قولك«أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا

     فإنّك قلت وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم» ، فإنّ في سقـوط السمـاء عليكم هلاككم

     وموتكم؛ فإنّما تريد بهذا من رسول اللّه أن يهلكك، ورسـول ربّ العالمين أرحم بك من ذلك ولايهلكك، ولكنّه

     يقيم عليك حجج اللّه، وليس حجج اللّه لنبيّه وحده على حسب اقتراح عباده ؛ لأنّ العباد جهّال بما يجـوز من

     الصلاح وبما لايجوز منه وبالفساد، وقد يختلف اقتراحهم ويتضادّ حتّى يستحيل وقوعه-إذ لو كانت اقتراحاتهم

     واقعـة لجـاز أن تقترح أنت أن تسقط السماء عليكم ويقترح غيرك أن لا تسقط عليكم السمـاء؛ بل أن ترفع

     الأرض إلى السماء، وتقع السماء عليها، وكان ذلك يتضادّ ويتنافي، أو يستحيل وقوعه - واللّه لايجري تدبيره

     على ما يلزم ‏به المحال.

     ثمّ قال رسـول اللّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم: وهل رأيت يا عبد اللّه! طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب

     اقتراحاتهم، وإنّما يفعل بهم ما يعلم صلاحهم فيـه، أحبّه العليل أو كرهـه، فأنتم المرضى، واللّه طبيبكم، فإن

     انقدتم لدوائه شفاكم، وإن ‏تمرّدتم عليه أسقمكم، وبعد، فمتى رأيت يا عبد اللّه مدّعي حقّ قِبَل رجل أوجب عليه

     حاكم من حكّامهم - فيما مضى - بيّنة على دعـواه على حسب اقتراح المدّعـي عليه إذن، ما كان يثبت لأحد

     على أحد دعوى ولا حقّ، ولا كان بين ظالم من مظلوم، ولا صادق من كاذب فرق.

     ثمّ قال: يا عبد اللّه! وأمّا قولك «أو تأتي باللّه والملائكة قبيلاً يقابلوننا ونعاينهم»، فإنّ هـذا من المحـال الذي

     لا خفاء به، إنّ ربّنا عزّ وجلّ ليس كالمخلوقين يجي‏ء ويذهب، ويتحرّك ويقابل شيئا حتّى يؤتـي به فقد سألتم

     بهذا المحال، وإنّما هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم، الضعيفـة المنقوصة التي لا تسمع ولا تبصر، وتعلم

     ولا تغني عنكم شيئا ولا عن أحد. ياعبد اللّه! أو ليس لك ضياع وجنان بالطائف وعقار بمكّة وقوّام عليها؟

     قال: بلى! قال أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك، أو بسفراء بينك وبين معامليك؟ قال: بسفرائي.

     قال: أرأيت لو قال معاملوك وأُكرتك وخدمك لسفرائك: لا نصدّقكم في هذه السفارة إلّا أن تأتونا بعبد اللّه بن

     أبي أُميّة لنشاهد فنسمع ماتقولون عنه شفاها، كنت تسوغهم هذا أو كان يجوز لهم عندك ذلك؟ قال: لا!

     قال: فما الذي يجب على سفرائك ، أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلّهم على صدقهم فيجب عليهم أن

     يصدّقوهم؟ قال: بلى!

     قال: يا عبد اللّه! أرأيت سفيرك لو أنّه لمّا سمع منهم هذا عاد إليك ، وقال: قم معي فإنّهم قد اقترحـوا عليّ

     مجيئك، أليس يكون [هذا] لك مخالفا وتقول له: إنّما أنت رسولٌ لا مشير ولا آمر؟ قال: بلى!

     قال: فكيف صرت تقترح على رسول ربّ العالمين ما لا تسوغ لأكرتك ومعامليك أن يقترحوه على رسولك

     إليهم؟

     وكيف أردت من رسـول ربّ العالمين أن يستذّم إلى ربّه بأن يأمر عليه وينهى ، وأنت لا تسـوغ مثل هذا

     لرسولك إلى أكرتك وقوّامك؟ هذه حجّة قاطعة لإبطال جميع ما ذكرته في كلّ ما اقترحته يا عبد اللّه.

     وأمّا قولك يا عبد اللّه! «أو يكون لك بيت من زخـرف» وهـو الذهب أما بلغك أنّ لعزيز مصـر بيوتا من

     زخرف؟ قال: بلى!

     قال: أفصار بذلك نبيّا؟ قال: لا!

     قال: فكذلك لا يوجب ذلك لمحمد - لو كان له - نبوّة، ومحمّد لا يغتنم جهلك بحجج اللّه.

     وأمّا قولك يا عبد اللّه «أو ترقى في السمـاء». ثمّ قلت: (وَلَن نّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى‏ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَبًا نّقْرَؤُهُ‏) ولن

     نؤمن لرقيّك حتّى تنزل علينا كتابا نقرؤه» يا عبد اللّه! الصعود إلى السمـاء أصعب من النزول عنها ، وإذا

     اعترفت على نفسك بأنّك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول.

     ثمّ قلت «حتّى تنزّل علينا كتابا نقرؤه ومن بعد ذلك لا أدري أُومن بك أو لاأُومن بك» فأنت يا عبد اللّه! مقرّ

     بأنّك تعاند حجة اللّه عليك فلادواء لك إلّا تأديبه[لك‏] على يد أوليائه من البشر، أو ملائكته الزبانية، وقد أنزل

     اللّه تعالى عليّ حكمة جامعة لبطلان كلّ ما اقترحته؛ فقال تعالى: (قُلْ- يا محمّد - سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنتُ إِلّا

     بَشَرًا رّسُولًا) ما أبعد ربّي عن أن يفعل الأشياء على[قدر] ما يقترحه الجهّال بما يجوز، وبما لا يجوز، وهل

     كنت إلّا بشرا رسـولاً؟ لايلزمني إلّا إقامة حجّـة اللّه التي أعطاني، وليس لي أن آمر على ربّي، ولاأنهي،

     ولا أُشير ، فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قـوم من مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه

     عليه.

     فقال أبوجهل: يا محمّد! هاهنا واحدة ، ألست زعمت أنّ قوم موسى احترقوا بالصاعقة لمّا سألـوه أن يريهم

     اللّه جهرة؟ قال: بلى!

     قال: فلو كنت نبيّا لاحترقنا نحن أيضا، فقد سألنا أشدّ ممّا سأل قوم موسى‏ عليه السلام لأنّهم بزعمك قالـوا:

     (أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً){النساء: ١٥٣/٤}، ونحن قلنا: لن نؤمن‏ لك حتّى تأتي باللّه والملائكة قبيلاً نعاينهم.

     فقال رسـول اللّه ‏صلى الله عليه و آله وسلم: يا أبا جهل! أو ما علمت قصة إبراهيم الخليل‏ عليه السلام لما

     رفع فـي الملكـوت وذلك قـول ربّي:(وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)

     {الأنعام:  ٧٥/٦} قوّى اللّه بصره لمّا رفعه دون‏ السماء حتّى أبصر الأرض ومن عليها، ظاهرين ومستترين،

     فرأى رجلاً وامرأة على فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثمّ رأى آخـرين فدعـا عليهما بالهلاك فهلكا، ثمّ

     رأى آخرين فهمّ بالدعاء عليهما فأوحـى اللّه تعالى إليه: ياإبراهيم ! أُكفف دعوتك عن عبادي وإمائي فإنّي أنا

     الغفور الرحيم، الحنّان الحليم، لا تضرّني ذنـوب عبادي كما لا تنفعني طاعتهم، ولست أسوسهم لشفاء الغيظ

     كسياستك، فاكفف دعوتك عن عبادي فإنّمـا أنت عبد نذير لاشريك في المملكـة، ولا مهيمن علـيّ ولا على

     عبادي، وعبادي معي بين خلال ثلاث:

     إمّا تابوا إليّ فتبت عليهم وغفرت ذنوبهم وسترت عيوبهم.

     وإمّا كففت عنهم عذابي لعلمي بأنّه سيخـرج من أصلابهم ذرّيّات مؤمنون ، فأرفـق بالآباء الكافرين، وأتاني

     بالأمّهات الكافرات، وأرفع عنهم عذابي ليخرج ذلك المؤمن من أصلابهم، فإذا تزايلوا حلّ بهم عذابي وحـاق

     بهم بلائي، وإن لم يكن هذا ولا هـذا فإنّ الذي أعددته لهم من عذابي أعظم ممّا تريده بهم، فإنّ عذابي لعبادي

     على حسب جلالي وكبريائي.

     يا إبراهيم! فخلّ بيني وبين عبادي، فإنّي أرحم بهم منك، وخلّ بيني وبين عبادي، فإنّي أنا الجبّار الحليم، العلّام

     الحكيم، أُدبّرهم بعلمي، وأنفذ فيهم قضائي وقدري.

     ثمّ قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله وسلم: إنّ اللّه تعالى- يا أبا جهل - إنّمـا دفع عنك العذاب لعلمه بأنّه

     سيخرج من صلبك ذرّيّة طيّبة، عكرمة ابنك، وسيلي من أُمور المسلمين ما إن أطـاع اللّه ورسولـه فيه كان

     عند اللّه جليلاً، وإلّا فالعذاب نازل عليك، وكذلك سائر قريش السائلين لما سألوه هذا، إنّما أُمهلوا لأنّ اللّه علم

     أنّ بعضهم سيؤمن بمحمد، وينال به السعادة، فهو تعالى لا يقطعه عن تلك السعـادة(ولا يبخل بها عليه أو من

     يولد منه مؤمن فهو ينظر أباه لإيصال ابنه إلى السعادة)، ولو لا ذلك لنزل العذاب بكافّتكم، فانظر نحو السماء.

     فنظر فإذا أبوابها مفتّحة، وإذا النيران نازلة منها مسامتة لرؤوس القـوم‏{سامتـه: قابله ووازاه. المنجد: ٣٤٩

     (سمت)} تدنو منهم حتّى وجدوا حرّها بين أكتافهم، فارتعدت فرائص أبي جهل والجماعة.

     فقال رسول اللّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم: لا تروعنّكم فإنّ اللّه لا يهلككم بها، وإنّما أظهرها عبرة. ثمّ نظروا

     وإذا قد خرج من ظهور الجماعة أنوار قابلتها ورفعتها، ودفعتها حتّى أعادتها في السماء كما جاءت منها.

     فقال رسول اللّه ‏صلى الله عليه وآله وسلم: بعض هذه الأنوار أنوار من قد علم اللّه أنّه سيسعده بالإيمـان بي

     منكم من بعد، وبعضها أنوار ذرّيّة طيّبة ستخرج من بعضكم ممّن لا يؤمن وهم مؤمنون.

     {تفسير الإمام العسكريّ‏ عليه السلام: ٥٠٠، ح ٣١٤ عنه البرهان: ٤٤٥/٢، ح ١، و١٤٠/٤، ح ٣.

     الإحتجاج: ٤٧/١، ح  ٢٢ عنه نور الثقلين: ٧٠٤/١، ح ٢٣، قطعة منه، و٢٢١/٣، ح ٤٤٦، و٣١٤، ح ٢٦٠،

     قطعة منه، و ٦/٤، ح ٢١، قطعة منه، و٥٩٧، ح ٢٨ عنه وعن تفسير الإمام العسكريّ‏ عليه السلام، البحـار:

     ٢٦٩/٩، ح ٢، و٣٥٢/١٧، ح ٢، قطعة منه.

     قطعة منه في (إحتجاج رسـول اللّه‏ صلى الله عليه و آله وسلم على المشركين واليهود) و(سـورة الفـرقان:

     ٨/٢٥ - ٧) و(سورة الإسراء: ٩٣/١٧ - ٩٠) و(سورة الزخرف: ٣١/٤٣)}.

 

 

الصفحة التالية

الفهرست

الصفحة السابقة