الثانية - زيارة أحد الأئمّة:

    (١)- السيّد ابن طاووس رحمه الله؛: الزيارة الثالثة مرويّـة عن أبي الحسن الثالث صلـوات اللّه عليه: تدخل

    مقدّما رجلك اليمنى على اليسرى وتقول:

    بسم اللّه وباللّه، وعلى ملّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله. أشهد أن لاإله إلّا اللّه وحـده لاشريك له، وأشهد

    أنّ محمّدا عبده ورسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تسليما.

    ثمّ تستقبل الضريح بوجهك، وتجعل القبلة خلفك، وتكبّر اللّه (مائة تكبيرة) وتقول: بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

    «أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لاشريك له، كمـا شهد اللّه لنفسه، وشهدت له ملائكتـه، وأولوا العلم من خلقه،

    لا إله إلّا هو العزيز الحكيم.

    وأشهد أنّ محمّدا عبده المنتجب، ورسـولـه المرتضى، أرسله بالهدى ودين الحقّ، ليظهره على الدين كلّه، ولو

    كره المشركون.

    اللّهمّ! اجعل أفضل صلواتك وأكملها، وأنمـى بركاتك وأعمّها، وأزكـى تحيّاتك وأتمّها، على سيّدنا محمّد عبدك

    ورسـولك، ونبيّك ونجيّك، ووليّك ورضيّك، وصفيّك وخيرتك، وخاصّتك وخالصتك، وأمينك الشاهد لك، والدالّ

    عليك، والصادق بأمرك، والناصح لك، والمجاهد فـي سبيلك ، والذابّ عن دينك، والموضّح لبراهينك، والمهدي

    إلى طاعتك، والمرشد إلى مرضاتك، والواعـي لوحيك، والحافظ لعهدك، والماضي على إنفاذ أمـرك ، المؤيّد

    بالنور المضي‏ء، والمسدّد بالأمر المرضـي، المعصوم من كـلّ خطـأ وزلل، المنزّه عـن كـلّ دنس وخطل،

    والمبعوث بخير الأديان والملل، مقوّم الميل والعوج، ومقيم البيّنات والحجج، المخصوص بظهور الفلج، وإيضاح

    المنهج، المظهر من توحيدك مـا استتر، والمحيي من عبادتك ما دثر، والخـاتم لما سبق، والفاتـح لمـا انغلق،

    المجتبى من خلائقك، والمعتام لكشف حقائقك، والموضحـة به أشراط الهدى، والمجلو به غُربيبُ العمـى، دافع

    جيشان الأباطيل، ودامغ صولات الأضاليل، المختار من طينة الكـرم، وسلالة المجد الأقـدم، ومغرس الفخـار

    المعرق، وفرع العـلا المثمر المـورق، المتجب من شجرة الأصفياء، ومشكاة الضياء، وذؤابة العلياء، وسـرّه

    البطحاء، بعيثك بالحقّ، وبرهانك على جميع الخلق، خاتم أنبيائك، وحجّتك البالغة في أرضك وسمائك.

    اللّهمّ! صلّ عليه صلاة ينغمر في جنب انتفاعه بها قدر الانتفاع، ويجوز من بركة التعلّق بسببها ما يفـوق قـدر

    المتعلّقين بسببه، وزده بعد ذلك من الإكرام والإجلال ما يتقاصر عنه فسيح الآمال ، حتّى يعلو من كرمـك على

    محالّ المراتب، ويرقى من نعمك أسنى منازل المواهب، وخـذ له - اللّهمّ - بحقّه وواجبه من ظالميه وظالمـي

    الصفوة من أقاربه.

    اللّهمّ! وصلّ علـى وليّك وديّان دينك، والقائم بالقسط من بعد نبيّك، عليّ بن أبـي طالب أمير المؤمنين، وإمـام

    المتقين، وسيّد الوصيين، ويعسوب الدين، وقائد الغرّ المحجّلين، قبلة العارفين، وعلم المهتدين، وعروتك الوثقى،

    وحبلك المتين، وخليفـة رسـولك على الناس أجمعين، ووصيّه فـي الدنيا والدين، الصدّيق الأكبر فـي الأنام،

    والفاروق الأزهر بين الحلال والحرام، ناصر الإسلام، ومكسّر الأصنام ، معزّ الدين وحاميه، وواقي الرسـول

    وكافيه، المخصوص بمؤاخاته يوم الإخاء، ومن هو منه بمنزلة هـارون من موسـى، خامس أصحاب الكساء،

    وبعل سيّدة النساء، المؤثر بالقوت بعد ضرّ الطوى، والمشكور سعيه في هل أتى، مصباح الهدى، ومأوى التقى،

    ومحل الحجى، وطود النهى، الداعي إلى المحجّة العظمى، والضاعن إلى الغاية القصوى ، والسامي إلى المجد

    والعلى، والعالم بالتأويل والذكـرى، الذي أخدمته خواصّ ملائكتك بالطـاس والمنديل حتّى توضّأ، ورددت عليه

    الشمس بعد دنوّ غروبها حتّى أدّى في أوّل الوقـت لك فرضا، وأطعمته من طعام أهـل الجنّة حين منح المقداد

    قرضا، وباهيت به خواصّ ملائكتك إذ شـرى نفسه ابتغاء مرضاتك لترضـى، وجعلت ولايته إحدى فرائضك،

    فالشقيّ من أقرّ ببعض وأنكر بعضا، عنصر الأبرار، ومعدن الفخار ، وقسيم الجنّة والنار، صاحب الأعـراف،

    وأبو الأئمّة الأشراف، المظلوم المغتصب، والصابر المحتسب، الموتور في نفسه وعترته، والمقصود في رهطه

    وأعزّته، صلاة لا انقطاع لمزيدها، ولا اتّضاع لمشيدها.

    اللّهمّ! ألبسه حلل الإنعام، وتوجّه تاج الإكـرام، وارفعـه إلى أعلى مرتبة ومقام ، حتّى يحلق نبيّك عليه وآلـه

    السلام، واحكم له اللّهمّ على ظالميه، إنّك العدل فيما تقضيه.

    اللّهمّ! وصلّ على الطاهرة البتول، الزهراء ابنة الرسول، أُمّ الأئمّة الهادين، وسيّدة نسـاء العالمين، وارثة خير

    الأنبياء، وقرينـة خير الأوصياء، القادمة عليك متألّمـة من مصابها بأبيها، متظلّمة ممّا حـلّ بها من غاصبيها،

    ساخطة على أمّة لم ترع حقّك في نصرتها، بدليل دفنها ليلاً في حفرتها، المغتصبة حقّها، والمغصّصـة بريقها،

    صلاةً لا غاية لأمدها، ولا نهاية لمددها، ولا انقضاء لعددها.

    اللّهمّ! فتكفّل لها عن مكان دار الفناء في دار البقاء بأنفس الأعواض، وأنلها ممّن عاندها نهاية الآمـال وغايـة

    الأغراض، حتّى لايبقى لها ولي ساخط لسخطها إلّا وهو راضٍ، إنّك أعزّ من أجاب المظلومين وأعدل قاضٍ.

    اللّهمّ! ألحقها في الإكرام ببعلها وأبيها، وخذ لها الحقّ من ظالميها.

    اللّهمّ! وصلّ علـى الأئمّـة الراشدين، والقادة الهادين، والسادة المعصومين، الأتقياء الأبرار، مأوى السكينـة

    والوقار، خزّان العلم، ومنتهى الحلم والفخار، وساسة العباد، وأركان البلاد ، وأدلّة الرشاد، الألبّاء الأمجـاد،

    العلمـاء بشرعك الزهّـاد، مصابيح الظلم، وينابيع الحكم، وأولياء النعم، وعصم الأمم، قرناء التنزيل وآياتـه،

    وأمناء التأويل وولاته، وتراجمة الوحي ودلالاته، أئمة الهدى، ومنار الدجى، وأعلام التقى، وكهـوف الورى،

    وحفظة الإسلام، وحججك على جميع الأنام ، الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة وسبطي نبي الرحمـة،

    وعليّ ابن الحسين السجّاد زين العابدين، ومحمّد بن عليّ باقـر علم الدين، وجعفر بن محمّد الصـادق الأمين،

    وموسى ابن جعفر الكاظم الحليم، وعليّ بن موسى الرضا الوفي، ومحمّد بن عليّ البرّ التقي، وعليّ بن محمّد

    المنتجب الزكيّ ، والحسن بن عليّ الهادي الرضـي، والحجّـة بن الحسن صاحب العصر والزمن، وصـيّ

    الأوصياء، وبقيّة الأنبياء، المستتر عن خلقك، والمؤمّل لإظهار حقّك، المهدي المنتظر، والقائم الذي به تنتصر.

    اللّهمّ! صلّ عليهم أجمعين صلاةً باقيةً في العالمين، تبلغ بها أفضل محلّ المكرمين.

    اللّهمّ! ألحقهم في الإكرام بجدّهم وأبيهم، وخذ لهم الحقّ من ظالميهم.

    أشهد يا مولاي أنّكم المطيعون للّه، القوّامون بأمـره، العاملون بإرادته، الفائزون بكرامتـه، اصطفاكم بعلمـه،

    واجتباكم لغيبه، واختاركم لسرّه، وأعزّكم بهداه، وخصّكم ببراهينه، وأيّدكم بروحه ، ورضيكم خلفاء في أرضه،

    ودعاةً إلى حقّه، وشهداء على خلقه، وأنصارا لدينـه، وحججا على بريّته، وتراجمـةً لوحيه، وخزنةً لعلمـه،

    ومستودعا لحكمته. عصمكم اللّه من الذنـوب، وبرّأكم من العيوب، وائتمنكم على الغيوب، زرتكم - يا مواليّ -

    عارفـا بحقّكم، مستبصرا بشأنكم، مهتديا بهداكم، مقتفيا لأثركم، متّبعا لسنّتكم، متمسّكا بولايتكم، معتصما بحبلكم،

    مطيعا لأمركم، مواليا لأوليائكم، معاديا لأعدائكم ، عالما بأنّ الحقّ فيكم ومعكم، متوسّـلاً إلى اللّه بكم، مستشفعا

    إليه بجاهكم، وحقّ عليه أن لا يخيّب سائله الراجي ما عنده لزوّاركم المطيعين لكم.

    اللّهمّ! فكما وفّقتني للإيمان بنبيّك، والتصديق لدعوته، ومننت علي بطاعته، واتّباع ملّته، وهديتني إلى معرفتـه،

    ومعرفة الأئمّة من ذريّته، وأكملت بمعرفتهم الإيمان، وقبلت بولايتهم وطاعتهم الأعمـال، واستعبدت بالصـلاة

   عليهم عبادك، وجعلتهم مفتاحا للدعاء، وسببا للإجابة ، فصلّ عليهم أجمعين، واجعلني بهم عندك وجيها في الدنيا

   والآخرة ومن المقرّبين.

   اللّهمّ! اجعل ذنوبنا بهم مغفورة، وعيوننا مستورة، وفرائضنا مشكورة، ونوافلنا مبرورة، وقلوبنا بذكرك معمورة،

   وأنفسنا بطاعتك مسرورة، وجوارحنا على خدمتك مقهورة، وأسماءنا فـي خواصّك مشهورة، وأرزاقنا من لدنك

   مدرورة، وحوائجنا لديك ميسورة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

   اللّهمّ! أنجز لهم وعدك، وطهّر بسيف قائمهم أرضك، وأقم به حدودك المعطّلة، وأحكامك المهملة والمبدّلة، وأحي

   به القلوب الميتة، واجمع به الأهواء المتفرّقة ، وأجل به صدى الجور عن طريقتك، حتّى يظهر الحـقّ على يديه

   في أحسن صورته، ويهلك الباطل وأهله بنور دولته، ولا يستخفي بشي‏ء من الحقّ مخافة أحد من الخلق.

   اللّهمّ! عجّل فرجهم، وأظهر فلجهم، واسلك بنا منهجهم، وأمتنا على ولايتهم، واحشرنا في زمرتهم وتحت لوائهم،

   وأوردنا حوضهم، واسقنا بكأسهم، ولا تفـرّق بيننا وبينهم، ولا تحرمنا شفاعتهم، حتّـى نظفر بعفـوك وغفرانك،

   ونصير إلى رحمتك ورضوانك، إله الحقّ ربّ العالمين.

   يا قريب الرحمة من المؤمنين، ونحن أوليائك حقّا لا ارتيابا، يا من إذا أوحشنا التعرّض لغضبه آنسنا حسن الظنّ

   به، فنحن واثقون بين رغبة ورهبة ارتقابا، قد أقبلنا لعفوك ومغفرتك طـلابا، فأذللنا لقدرتك وعزّتك رقابا، وصلّ

   على محمّد وآل محمّد الطاهرين، واجعل دعاءنا بهم مستجابا، وولاءنا لهم من النار حجابا.

   اللّهمّ! بصّرنا قصد السبيل لنعتمده، ومورد الرشد لنرده، بدّل خطايانا صوابا، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا

   من لدنك رحمة، يا من تسمّى من جوده وكرمه وهّابا، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنـة، وقنا عذاب النار

   إن حقّت علينا اكتسابا، برحمتك يا أرحم الراحمين.

   ثمّ تصلّي صلاة الزيارة ثمّ تعود وتقف على الضريح وتقول:

   يا ولي اللّه! إنّ بيني وبين اللّه عزّ وجلّ ذنوبا لا يأتي عليها إلّا رضـاه، فبحقّ من ائتمنك على سـرّه، واسترعاك

   أمر خلقه، وقرن طاعتك بطاعته، وموالاتك بموالاته، تولّ صـلاح حالي مـع اللّه عزّ وجلّ، واجعل حظّـي من

   زيارتك تخليطي بخالصي زوّارك، الذين تسأل اللّه عزّ وجلّ في عتق رقابهم، وترغب إليه في حسن ثوابهم ، وها

   أنا ذا اليوم بقبرك لائذ، وبحسن دفاعك عنّي عائذ، فتلافني يا مولاي وأدركني، واسأل اللّه عزّوجلّ في أمري، فإنّ

   لك عند اللّه عزّ وجلّ مقاما كريما، صلّى اللّه عليك وسلّم تسليما».

   ثمّ قبّل الضريح، وتوجّه إلى القبلة وارفع يديك وقل:

   «اللّهمّ! إنّك لمّا فرضت علي طاعته، وأكرمتني بموالاته، علمت أنّ ذلك لجليل مرتبته عندك، ونفيس حظّه لديك،

   ولقرب منزلته منك، فلذلك لذت بقبره لواذ من يعلم أنّك لا تردّ له شفاعة، فبقديم علمك فيه ، وحسن رضاك عنه،

   ارض عنّي وعن والدي، ولا تجعل للنار علي سبيلاً ولاسلطانا، برحمتك يا أرحم الراحمين».

   ثمّ تتحوّل من موضعك وقف وراء القبر، واجعله بين يديك وارفع يديك وقل:

   «اللّهمّ! لو وجدت شفيعا أقرب إليك من محمّد وأهل بيته الأخيار الأتقياء الأبرار عليه وعليهم السلام لاستشفعت

   بهم إليك، وهذا قبر ولي من أوليائك، وسيّد من أصفيائك، ومن فرضت على الخلق طاعته ، قد جعلتـه بين يدي

   أسألك يا ربّ بحرمته عندك وبحقّه عليك، لما نظرت إلي نظرة رحيمة من نظراتك، تلمّ بها شعثي، وتصلـح بها

   حالي في الدنيا والآخرة، فإنّك على كلّ شي‏ء قدير.

   اللّهمّ! إنّ ذنوبي لمّا فاتت العدد، وجاوزت الأمد، علمت أنّ شفاعـة كلّ شافع دون أوليائك تقصر عنها، فوصلت

   المسير من بلدي قاصدا إلى وليّك بالبشرى، ومتعلّقا منه بالعروة الوثقى، وها أنا يا مولاي قد استشفعت به إليك،

   وأقسمت به عليك، فارحم غربتي، واقبل توبتي.

   اللّهمّ! إنّي لا أُعوّل على صالحة سلفت منّي، ولا أثق بحسنة تقوم بالحجّة عنّي ، ولـو أنّي قدّمت حسنات جميع

   خلقك، ثمّ خالفت طاعة أوليائك، لكانت تلك الحسنات مزعجة عن جوارك لي، غير حائلة بيني وبين نارك، فلذلك

   علمت أنّ أفضل طاعتك طاعة أوليائك.

   اللّهمّ! ارحم توجّهي بمن توجّهت به إليك، فلقد علمت أنّ غير واجد أعظم مقـدارا منهم لمكانهم منك، يا أرحـم

   الراحمين.

   اللّهمّ! إّنك بالإنعام موصوف، ووليّك بالشفاعة لمن أتاه معروف ، فإذا شفع فيّ متفضّلاً كـان وجهك علي مقبلاً،

   وإذا كان وجهك عليّ مقبلاً أصبت من الجنّة منزلاً.

   اللّهمّ! فكما أتوسّل به إليك أن تمنّ عليّ بالرضا والنعم، اللّهمّ ارضه عنّا، ولا تسخطه علينا ، واهدنا به ولا تضلّنا

   فيه، واجعلنا فيه على السبيل الذي تختاره، وأضف طاعتي إلى خالص نيّتي في تحيّتي يا أرحم الراحمين.

   اللّهمّ! صلّ على خيار خلقك محمّد وآله كما انتجبتهم على العالمين، واخترتهم على علم من الأوّلين.

   اللّهمّ! وصلّ على حجّتك وصفوتك من بريّتك، التالي لنبيّك، القيّم بأمرك، عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وصلّ

   على فاطمة الزهـراء سيّدة نساء العالمين، وصلّ على الحسن والحسين شنفـى عرشـك ، ودليلى خلقك عليك،

   ودعاتهم إليك.

   اللّهمّ! صلّ على عليّ، ومحمّد، وجعفر، وموسـى، وعليّ، ومحمّد، وعليّ، والحسن، والخلف الصالـح الباقي،

   مصابيح الظلام، وحججك على جميع الأنام، خزنة العلم أن يعـدم، وحماة الدين أن يسقم، صـلاة يكون الجـزاء

   عليها أتمّ رضوانك، ونوامي بركاتك وإحسانك.

   اللّهمّ! العن أعداءهم من الجنّ والإنس أجمعين، وضاعف عليهم العذاب الأليم».

   ثمّ تدعو هاهنا بدعاء العهد المأمور به في حال الغيبة، وهو هذا{أوردناه عن مصباح الزائر: ٤٥٥}:

   «اللّهمّ! ربّ النور العظيم، والكرسي الرفيع، وربّ البحر المسجـور، ومنزّل التوراة والإنجيل والزبور، وربّ

   الظلّ والحـرور، ومنزّل القـرآن العظيم، وربّ الملائكـة المقرّبين، والأنبياء والمرسلين.

   اللّهمّ! إنّي أسألك بوجهك الكـريم، وبنور وجهك المنير، وملكـك القديم، يا حـيّ يا قيوم، أسألك باسمك الـذي

   أشرقت به السماوات والأرضون، يا حيّ قبل كلّ حي، ويا حي بعد كلّ حي، لا إله إلّا أنت.

   اللّهمّ! بلّغ مولانا الإمام الهادي المهدي، القائم بأمرك، صلوات اللّه عليه وعلى آبائـه الطاهـرين، عن المؤمنين

   والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها، سهلها وجبلها، برّها وبحرها، وعنّي وعن والديّ من الصلوات زنـة

   عرش اللّه، ومداد كلماته، وما أحصاه علمه، وأحاط به كتابه.

   اللّهمّ! إنّي أجدّد له في صبيحة يومي هذا، وما عشت من أيّامي عهدا وعقدا وبيعة له في عنقي، لا أحـول عنها

   ولا أزول أبدا.

   اللّهمّ! اجعلني من أنصاره وأعوانه، والذابّين عنـه، والمسارعين إليه في قضـاء حوائجـه، والمحامين عنـه،

   والسابقين إلى إرادته، والمستشهدين بين يديه.

   اللّهمّ! إن حـال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتما، فأخرجني من قبري ، مؤتزرا كفني، شاهـرا

   سيفي، مجرّدا قناتي، ملبّيا دعوة الداعي في الحاضر والباد.

   اللّهمّ! أرني الطلعة الرشيدة، والغرّة الحميدة، واكحل ناظري بنظرة منّي إليه، وعجّل فرجه ، وسهّل مخرجـه،

   وأوسع منهجه، واسلك بي محجّته، وأنفذ أمره، واشدد أزره، واعمـر اللّهمّ به بلادك، وأحيـي به عبادك، فإنّك

   قلت وقولك الحقّ: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النّاسِ) {الروم: ٤١/٣٠} فاظهر اللّهمّ! لنا وليّك

   وابن بنت نبيّك، المسمّى باسم رسولك، حتّى لايظفر بشي‏ء من الباطل إلّا مزّقه، ويحقّ الحقّ ويحقّقه.

   واجعله اللّهمّ! مفزعا لمظلوم عبادك، وناصرا لمن لا يجد له ناصرا غيرك، ومجدّدا لما عطّل من أحكام كتابك،

   ومشيّدا لما ورد من أعلام دينك، وسنن نبيّك صلّى اللّه عليه وآله، واجعله ممّن حصّنته من بأس المعتدين.

   اللّهمّ! وسرّ نبيّك محمّدا صلّى اللّه عليه وآله برؤيته، ومن تبعه على دعوته، وارحم استكانتنا بعده.

   اللّهمّ! واكشف هذه الغُمّة عن هذه الأُمّة بحضوره، وعجّل لنا (فرجه و) ظهوره، إنّهم يرونه بعيدا ونراه قريبا،

   برحمتك يا أرحم الراحمين».

   ثمّ تضرب على فخذك الأيمن بيدك ثلاث مرّات وتقول:

   العجل، العجل، العجل، يا مولاي يا صاحب الزمان.

   فإذا أردت الانصراف من حرمه الشريف فعد إلى السرداب المنيف، وصلّ فيه ما شئت، ثمّ قم مستقبل القبلـة

   وقل:

   «اللّهمّ! ادفع عن وليّك وخليفتك، وحجّتك على خلقك، ولسانك المعبّر عنك، والناطق بحكمتك، وعينك الناظـرة

   بإذنك، وشاهدك على عبادك، الجحجاح المجاهد، العائذ بك، العائد عندك، وأعذه من جميع ما خلقت ‏{الجَحْجَحُ:

   السيّد، القامـوس المحيط، ٤٤٦/١ (الجَحّ)} وبرأت، وأنشأت وصوّرت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن

   يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحتـه، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته بـه ، واحفظ فيه رسـولك وآباءه

   السادة، أئمّتك ودعائم دينك، واجعله في وديعتك التي لا تضيع ، وفي جوارك الذي لا يخفر، وفي منعك وعزّك

‏   {خفره: نقض عهده وغدره، القاموس المحيط: ٣٣/٢(الخفر)} الذي لا يقهر، وآمنه بأمانك الوثيق الذي لا يخذل

   من آمنته به، واجعله في كنفك الذي لا يرام من كان فيه، وانصره بنصرك العزيز، وأيّده بجندك الغالب، وقـوّه

   بقوتك، وأردفه بملائكتك، ووال من والاه، وعاد من عاداه، وألبسه درعك الحصينة، وحفّه بالملائكة حفّا.

   اللّهمّ! اشعب به الصدع، وارتق به الفتق، وأمت به الجور، وأظهر به العدل، وزيّن بطول بقائه الأرض، وأيّده

   بالنصر، وانصره بالرعب، وقوّ ناصريه، واخذل خاذليه، ودمدم على من نصب له، ودمّر على من غشّه، واقتل

   به جبابرة الكفر وعمده ودعائمه، واقصم به رؤوس الضلالة، وشارعة البدع ، ومميتة السنّة، ومقوّيـة الباطل،

   وذلّل به الجبّارين، وأبر به الكافرين وجميع الملحدين في مشارق الأرض ومغاربها، وبرّها وبحـرها، وسهلها

   وجبلها، حتّى لا تدع منهم ديّارا، ولا تبق لهم آثارا.

   اللّهمّ! طهّر منهم بلادك، واشف منهم عبادك، وأعز به المؤمنين، وأحيي به سنن المرسلين، ودارس حكم النبيّين،

   وجدّد به ما امتحى من دينك، وبدّل من حكمك، حتّى تعيد دينك به وعلى يديـه جديدا، غضّا محضا، صحيحا لا

   عوج فيه، ولا بدعة معـه، وحتّى تنير بعدله ظلم الجـور، وتطفي‏ء به نيران الكفر، وتوضح به معاقد الحـقّ،

   ومجهول العدل، فإنّه عبدك الذي استخلصته لنفسك، واصطفيته على غيبك ، وعصمته من الذنـوب، وبرّأته من

   العيوب، وطهّرته من الرجس، وسلّمته من الدنس.

   اللّهمّ! فإنّا نشهد له يوم القيامة، ويوم حلول الطامّة، أنّه لم يذنب ذنبا، ولا أتى حوبا، ولم يرتكب معصيـة، ولم

   يضيّع لك طاعة، ولم يهتك لك حرمة، ولم يبدّل لك فريضة، ولم يغيّر لك شريعة، وأنّه الهادي المهتدي، الطاهر

   التقيّ النقيّ، الرضيّ المرضيّ الزكيّ.

   اللّهمّ! أعطه في نفسه وأهله وذرّيّته وأُمّته وجميع رعيّته ما تقـرّ به عينه ، وتسرّ به نفسه، وتجمـع لـه ملك

   الممالك، قريبها وبعيدها، وعزيزها وذليلها، حتّى يجري حكمه على كلّ حكم، ويغلب بحقّه على كلّ باطل.

   اللّهمّ! اسلك بنا على يديه منهاج الهدى، والمحجّة العظمى، والطريقة الوسطى، التي يرجع إليها الغالي، ويلحق

   بها التالي، وقوّنا على طاعته، وثبّتنا على متابعته، وامنن علينا بمبايعته، واجعلنا في حزبـه ، القوّامين بأمـره،

   الصابرين معه، الطالبين رضاك بمناصحته، حتّى تحشرنا يوم القيامـة في أنصاره وأعوانـه ومقوّية سلطانـه،

   واجعل ذلك لنا خالصا من كلّ شكّ وشبهة، ورياء وسمعة ، حتّى لا نعتمد به غيرك، ولا نطلب بـه إلّا وجهك،

   وحتّى تحلّنا محلّه، وتجعلنا في الجنّة معه، وأعذنا من السَآمـة والكسل والفترة ، واجعلنا ممّن تنتصر به لدينك،

   وتعزّ به نصر وليّك، ولا تستبدل بنا غيرنا، فإنّ استبدالك بنا غيرنا عليك يسير، وهو علينا كبير.

   اللّهمّ! نوّر به كلّ ظلمة، وهدّ بركنه كلّ بدعة، واهدم بعزّه كلّ ضلالـة، واقصم به كلّ جبّار، وأخمد بسيفه كلّ

   نار، وأهلك بعدله جور كلّ جائر، وأجر حكمه على كلّ حاكم، وأذل بسلطانه كلّ سلطان.

   اللّهمّ! أذلّ كلّ من ناوأه، وأهلك كلّ من عـاداه، وامكر بمن كاده، واستأصل من جحد حقّـه، واستهان بأمـره،

   وسعى في إطفاء نوره، وأراد إخماد ذكره.

   اللّهمّ! صلّ على محمّد المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمـة الزهـراء، والحسن الرضا، والحسين المصفّى،

   وجميع الأوصياء، مصابيح الدجى، وأعـلام الهدى، ومنار التقى، والعروة الوثقـى ، والحبل المتين، والصراط

   المستقيم؛ وصلّ على وليّك، وولاة عهدك، والأئمّة من ولده ، ومدّ في أعمارهم، وزد في آجالهم، وبلّغهم أقصى

   آمالهم، دينا ودنيا وآخرة، إنّك على كلّ شي‏ء قدير».

   ثمّ تقول:

   «اللّهمّ! اجعل نفسي مطمئنّة بقدرك، راضية بقضائك، مولعة بذكرك ودعائك، محبّة لصفوة أوليائك، محبوبة في

   أرضك وسمائك، صابرة على نزول بلائك، مشتاقة إلى فرحـة لقائك، متزوّدة التقوى ليوم جزائك، مستنّة بسنن

   أوليائك، مفارقة لأخلاق أعدائك، مشغولة عن الدنيا بحمدك وثنائك».

   {مصباح الزائر: ٤٧٦، س ٣ عنه البحار: ١٧٨/٩٩، س ٢}.

 

 

   الثالثة - زيارة الإمام أمير المؤمنين ‏عليه السلام:

   كيفيّة زيارته‏ عليه السلام:

   (١)- محمّد بن يعقوب الكلينيّ رحمـه الله؛: عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن أُورمـة، عمّن

   حدثه، عن الصادق أبي الحسن الثالث‏ عليه السلام قال: يقول:

   السلام عليك يا ولي اللّه، أنت أوّل مظلوم، وأوّل من غصب حقّه، صبرت واحتسبت حتّى أتاك اليقين ، فأشهد

   أنّك لقيت اللّه، وأنت شهيد عذّب اللّه قاتلك بأنواع العذاب، وجدّد عليه العـذاب، جئتك عارفا بحقّك، مستبصرا

   بشأنك، معاديا لأعدائك ومن ظلمك، أُلقي على ذلك ربّي إن شاء اللّه، يا ولي اللّه! إنّ لـي ذنوبا كثيرة، فاشفع

   لي إلى ربّك، فإنّ لك عنداللّه مقاما [محمودا] معلوما، وإنّ لك عند اللّه جاها، وشفاعـةً، وقد قال تعالـى:

   (وَلَايَشْفَعُونَ إِلّا لِمَنِ ارْتَضَى‏){الأنبياء: ٢٨/٢١} محمّد بن جعفر الـرازيّ، عن محمّد بن عيسـى بن عبيد، عن

   بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الثالث‏ عليه السلام مثله.

   {الكافي: ٥٦٩/٤، ح ١.

   تهذيب الأحكام: ٢٨/٦، ح ٥٤، وفيه: عن الصادق وأبي الحسن الثالث ‏عليهما قال: تقول عند قبر أمير المؤمنين‏.

   عليه السلام عنه وعن الكافي، وسائل الشيعة: ٣٩٤/١٤، ح ١٩٤٥٠، والبحار: ٢٦٥/٩٧، ح ٤، ونور الثقلين:

   ٤٢٣/٣، ح ٤٧، قطعة منه.

   من لايحضره الفقيه: ٣٥٢/٢، ح ١٦١٣.

   كامل الزيارات: ٩٦/١٠٣، ح ٩٦، و١٠٤، ح ٩٧.

   فرحة الغري: ١٣٥، ح ٧٧.

   قطعة منه في (ألقابه ‏عليه السلام)، و(شفاعة أمير المؤمنين ‏عليه السـلام)، و(الآيات والسور التي قرأها عليه

   السلام في الزيارات)}.

 

 

 

 

   زيارته‏ عليه السلام يوم الغدير:

   (١)- العلّامة المجلسيّ رحمه الله؛: قال المفيد؛: روي عن أبي محمّد الحسن ابن العسكـريّ، عن أبيه صلوات

   اللّه عليهما وذكر أنّه ‏عليه السـلام زار بها في يوم الغدير في السنة التي أشخصـه المعتصم، فإذا أردت ذلك

   فقف على باب القبّـة الشريفـة، واستأذن وادخـل مقدّما رجلك اليمنى على اليسرى، وامش حتّـى تقف على

   الضريح واستقبله واجعل القبلة بين كتفيك وقل:

   «السـلام علـى محمّد رسـول اللّه خاتم النبيّين، وسيّد المرسلين، وصفوة ربّ العالمين، أمين اللّه على وحيه

   وعزائم أمـره، والخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل، والمهيمن على ذلك كلّه، ورحمـة اللّه وبركاته وصلواته

   وتحيّاته، والسلام على أنبياء اللّه ورسله، وملائكته المقرّبين، وعباده الصالحين.

   السـلام عليك يا أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين، ووارث علم النبيّين، وولـيّ ربّ العالمين، ومولاي ومولـى

   المؤمنين، ورحمة اللّه وبركاته.

   السلام عليك يا مولاي يا أمير المؤمنين، يا أمين اللّه في أرضه ، وسفيره في خلقه، وحجّته البالغة على عباده،

   السلام عليك يادين‏ اللّه القويم، وصراطه المستقيم.

   السلام عليك أيّها النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، وعنه يسألـون، السـلام عليك يا أمير المومنين،آمنت باللّه

   وهم مشركون، وصدّقت بالحـقّ وهم مكذّبون، وجاهدت وهم محجمون، وعبدت اللّه مخلصا لـه الدين صابرا

   محتسبا حتّى أتاك اليقين، ألا لعنة اللّه على الظالمين.

   السلام عليك يا سيّد المسلمين، ويعسوب المؤمنين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين، ورحمـة اللّه وبركاته،

   أشهد أنّك أخو رسول اللّه، ووصيّه ووارث علمه، وأمينه على شرعه، وخليفته فـي أُمّته، وأوّل من آمن باللّه،

   وصدّق بما أنزل على نبيّه، وأشهد أنّه قد بلّغ عن اللّه مـا أنزله فيك، فصدع بأمره، وأوجب علـى أُمّته فرض

   طاعتك وولايتك، وعقد عليهم‏{صدعت الشي‏ء: بيّنته وأظهرته. مجمع البحـرين: ٣٥٨/٤، (صدع)} البيعـة لك،

   وجعلك أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما جعله اللّه كذلك، ثمّ أشهد اللّه تعالى عليهم، فقال: ألست قد بلّغت؟ فقالوا:

   اللّهمّ! بلى! فقال: اللّهمّ! اشهد وكفى بك شهيدا وحاكما بين العباد، فلعن اللّه جاحـد ولايتك بعد الإقرار ، وناكث

   عهدك بعد الميثاق، وأشهد أنّك وفيت بعهد اللّه تعالى، وأّن اللّه تعالـى موف لك بعهده (وَمَنْ أَوْفَى‏ بِمَا عَهَدَ عَلَيْهُ

   اللّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا){الفتح: ١٠/٤٨}، وأشهد أنّك أمير المؤمنين الحقّ الذي نطق‏ بولايتك التنزيل، وأخذ لك

   العهد على الأُمّة بذلك الرسول، وأشهد أنّك وعمّك وأخـاك الذين تاجـرتم اللّه بنفوسكم، فأنزل اللّه فيكم(إِنّ اللّهَ

   اشْتَرَى‏ مـِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّـا فِـى

   التّوْرَلةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى‏ بِعَهْدِهِ‏ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الّذِى بَايَعْتُم بِهِ‏ وَذَلِكَ هُـوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *

   التِّبُونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السّحُونَ الرّكِعُونَ السّجِدُونَ الْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَ الْحَفِظُونَ لِحُدُودِ

   اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ){التوبة: ١١١/٩ - ١١٢}.

   أشهد يا أمير المؤمنين أنّ الشاكّ فيك ما آمن بالرسول الأمين، وأنّ العادل بك غيرك عاند عن الدين القويم الذي

   ارتضاه لنا ربّ العالمين، وأكمله بولايتك يوم الغدير، وأشهد أنّك المعني بقول العزيز الرحيم:(وَأَنّ هَذَا صِرَطِى

   مُسْتَقِيمًا فَاتّبِعُوهُ وَلَاتَتّبِعُواْ السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِـهِ‏){الأنعـام: ١٥٣/٦} ضلّ واللّه وأضلّ من اتّبع سـواك،

   وعند عن الحقّ من عاداك.

   اللّهمّ! سمعنا لأمـرك، وأطعنا واتّبعنا صراطك المستقيم، فاهدنا ربّنا ولاتزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا إلـى طـاعتك،

   واجعلنا من الشاكرين لأنعمك، وأشهد أنّك لم تزل للهوى مخالفا، وللتقى محالفا، وعلى كظم الغيظ قادرا، و عـن

   الناس عافيا غافرا، وإذا عصى اللّه ساخطا، وإذا أُطيع اللّه راضيا، وبما عهد إليك عاملاً، راعيا لمـا استحفظت،

   حافظا لمـا استودعت، مبلّغا ما حمّلت، منتظرا ما وعدت ، وأشهد أنّك ما اتّقيت ضارعا، ولا أمسكت عـن حقّك

   جازعا، ولا أحجمت عن مجاهدة عاصيك ناكلاً، ولا أظهرت الرضا بخلاف ما يرضى اللّه مداهنا، ولا وهنت لما

   أصابك في سبيل اللّه، ولاضعفت ولا استكنت عـن طلب حقّك، مراقبا معـاذ اللّه أن تكـون كذلك، بل إذ ظلمت

   احتسبت ربّك، وفوّضت إليه أمرك، وذكّرتهم فما ادّكروا، ووعظتهم فما اتّعظوا، وخوّفتهم اللّه فما تخوّفوا، وأشهد

   أنّك ياأميرالمؤمنين جاهدت في اللّه حقّ جهاده، حتّى دعاك اللّه إلى جواره، وقبضك إليه بإختياره، وألزم أعداءك

   الحجّة بقتلهم إيّاك، لتكون الحجّة لك عليهم مع مالك من الحجج البالغة على جميع خلقه.

   السـلام عليك يا أمير المؤمنين عبدت اللّه مخلصا، وجاهـدت فـي اللّه صابرا، وجدت بنفسك محتسبا، وعملت

   بكتابه، واتّبعت سنّة نبيّه، وأقمت الصلاة وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ما استطعت، مبتغيا

   ما عند اللّه، راغبا فيما وعد اللّه، لا تحفل بالنوائب، ولا تهن عند الشدائد، ولا تحجم عن محارب، أفك من نسب

   غير ذلك إليك، وافترى باطلاً عليك، وأولى لمن عند عنك، لقد جاهدت في اللّه حقّ الجهاد، وصبرت على الأذى

   صبر احتساب، وأنت أوّل من آمن باللّه، وصلّى له وجاهد، وأبدى صفحته في دار الشرك، والأرض مشحونـة

   ضلالة،{صفحة الرجل: عرض صدره، يقال:(أبدى له صفحته) أي كاشفه. المنجد: ٤٢٧ (صفح)} والشيطان يعبد

   جهرة، وأنت القائل: لا تزيدني كثرة الناس حولي عزّة، ولاتفرّقهم عنّي وحشة، ولو أسلمني الناس جميعا لم أكن

   متضرّعا، اعتصمت باللّه فعززت، وآثرت الآخرة على الأُولى فزهدت، وأيّدك اللّه وهداك، وأخلصك واجتباك،

   فما تناقضت أفعالك، ولا اختلفت أقوالك، ولاتقلّبت أحوالك ، ولا ادّعيت ولا افتريت على اللّه كذبا، ولا شرهت

   {شره: كفرح غلب حرصه، قاموس المحيط: ٤١٠/٤ (شره)} إلى الحطـام، ولادنّسك الآثام، ولم تزل على بيّنة

   من ربّك ويقين من أمرك، تهدي إلى الحـقّ وإلى طـريق مستقيم، أشهد شهادة حـقّ وأُقسم باللّه قسم صدق أنّ

   محمّدا و آله صلـوات اللّه عليهم سـادات الخلق، وأنّك مولاي ومولـى المؤمنين، وأنّك عبد اللّه ووليّه وأخـو

   الرسول ووصيّه ووارثه، وأنّه القائل لك: والذي بعثني بالحقّ ما آمن بي من كفر بك، ولا أقـرّ باللّه من جحدك،

   وقد ضلّ من صدّ عنك، ولم يهتد إلى اللّه ولا إليّ من لايهتدي بك، وهو قول ربّي عزّ وجـلّ: (وَإِنِّى لَغَفّارٌ لِّمَن

   تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا ثُمّ اهْتَدَى‏) {طـه: ٨٢/٢٠} إلى ولايتك، مولاي فضلك لا يخفـى، ونورك لا يطفـى،

   وأنّ من‏ جحدك الظلوم الأشقى ، مولاي أنت الحجّة على العباد، والهادي إلى الرشاد، والعدّة للمعاد، مولاي لقد

   رفع اللّه في الأُولى منزلتك، وأعلى في الآخـرة درجتك، وبصرّك ما عمـي على من خالفك، وحال بينك وبين

   مواهب اللّه لك، فلعن اللّه مستحلّي الحرمة منك، وذائد الحقّ عنك، وأشهد أنّهم الأخسرون الذين تلفـح وجوههم

   النار وهم فيها كالحـون وأشهد أنّك‏{لفحه كمنعه ضربه والنار بحرّها: أحرقت، قاموس المحيط: ٤٩١/١(لفحه)}

   {الكالح: الذي قد انكشفت شفته عن أسنانه، يقال: (دهرٌ أو شقاءٌ كالح، أي شديد ضيّق). المنجد:  ٦٩٤ (كلح)} ما

   أقدمت ولا أحجمت ولا نطقت ولاأمسكت إلّا بأمر من اللّه ورسوله ، قلت: والذي نفسي بيده لقد نظر إليّ رسول

   اللّه صلّى اللّه عليه وآله أضرب بالسيف قدما، فقال: يا عليّ! أنت منّي بمنزلة هارون من موسـى إلّا أنّه لا نبيّ

   بعدي، وأُعلمك أنّ موتك وحياتك معي وعلى سنّتي، فو اللّه! ما كذبت ولا كُذّبت، ولا ضللت ولا ضلّ بـي، ولا

   نسيت ما عهد إليّ ربّي، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي بيّنها لنبيّه، وبيّنها النبيّ لي، وإنّي لعلى الطريق الواضح، ألفظه

   لفظا.

   صدقت واللّه وقلت الحقّ، فلعن اللّه من ساواك بمن ناواك، واللّه جلّ اسمه يقـول: (هَـلْ يَسْتَوِى الّذِينَ يعْلَمُونَ

   وَالّذِينَ لَايَعْلَمُونَ){الزمر: ٩/٣٩} فلعن اللّه من‏ عـدل بك، مَن فرض اللّه عليه ولايتك، وأنت وليّ اللّه و أخـو

   رسوله، والذابّ عن دينه ، والذي نطق القرآن بتفضيله قال اللّه تعالى: (وَفَضّلَ اللّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا

   عَظِيمًا * دَرَجَتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رّحِيمًا){ النساء: ٩٥/٤ - ٩٦}. وقال اللّه تعالى: (أَجَعَلْتُمْ

   سِقَايَةَ الْحَـآجِ‏ّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَـرَامِ كَمَنْ ءَامَـنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الأَْخِـرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللّهِ لَايَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ

   وَاللّهُ لَايَهْدِى الْقَوْمَ الظّلِمِينَ * الّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ

   وَأُوْلَِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبّهُم بِرَحْمَـةٍ مِّنْـهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنّتٍ لّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مّقِيمٌ  * خَلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا إِنّ اللّهَ

   عِندَهُ‏ أَجْرٌ عَظِيمٌ){التوبة: ١٩/٩ - ٢٢}.

   أشهد أنّك المخصوص بمدحة اللّه، المخلص لطاعـة اللّه، لم تبغ بالهدى بدلاً، ولم ‏تشرك بعبادة ربّك أحدا، وأنّ

   اللّه تعالى استجاب لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله فيك دعوته ، ثمّ أمره باظهار ما أولاك لأُمّته إعلاءً لشأنك، وإعلانا

   لبرهانك، ودحضا للأباطيل، وقطعا للمعاذير، فلمّا أشفق من فتنـة الفاسقين واتّقى فيك المنافقين، أوحى إليه ربّ

   العالمين: (يَأَيّهَا الرّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبِّكَ وَإِن لّـمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ‏ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ).

   {المائدة:  ٦٧/٥} فوضع علـى نفسه أوزار المسير، ونهض في رمضاء الهجير، فخطب‏{الرمض محرّكة: شدّة

   وقع الشمس على الرمل، القامـوس المحيط: ٤٩٠/٢ (الرمض)}{الهاجـرة: نصف النهار عند زوال الشمس مع

   الظهر أو من عند زوالها إلى العصر، القامـوس المحيط:  ٢٢٣/٢ (هجره)} فأسمع ونادى فأبلغ ثمّ سألهم أجمع،

   فقال: هل بلّغت؟

   فقالوا:اللّهمّ! بلى! فقال: اللّهمّ! اشهد، ثمّ قال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟فقالوا: بلى! فأخذ بيدك، وقال: من

   كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخـذل من خذله، فما آمن

   بما أنزل اللّه فيك على نبيّه إلّا قليل، ولا زاد أكثرهم غير تخسير، ولقد أنزل اللّه تعالى فيك من قبل وهم كارهون

   (يَأَيّهَا الّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ‏ فَسَوْفَ يَأْتِى اللّهُ بِقَوْمٍ  يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ‏ أَذِلّـةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِـزّةٍ عَلَى

   الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَلَايَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَـآءُ وَاللّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ *  إِنّمَا وَلِيّكُمُ

   اللّهُ وَرَسُولُهُ‏ وَالّذِينَ ءَامَنُواْ الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَوةَ وَهُمْ رَكِعُونَ  * وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَـهُ‏ وَالّذِينَ

   ءَامَنُواْ فَإِنّ حِـزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَلِبُونَ){المائدة: ٥٤/٥ - ٥٦}، (رَبّنَآ ءَامَنّا بِمَـآ أَنزَلْتَ وَاتّبَعْنَا الرّسُـولَ فَاكْتُبْنَا مَـعَ

   الشّهِدِينَ){آل عمـران: ٥٣/٣}، (رَبّنَا لَاتُزِغْ‏ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَـبْ لَنَا مِن لّدُنكَ رَحْمَـةً إِنّكَ أَنتَ الْوَهّـابُ)

   {آل عمران: ٨/٣} اللّهمّ! إنّا نعلم أنّ هذا هـو الحقّ من عندك، فالعن من عارضـه واستكبر وكـذّب به وكفر،

   (وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُواْ أَىّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ){الشعـراء: ٢٢٧/٢٦} السـلام عليك يا أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين،

   وأوّل العابدين، وأزهد الزاهدين، ورحمة اللّه وبركاته وصلواته وتحيّاته.

   أنت مطعم الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا لوجـه اللّه، لا تريد منهم جـزاء ولا شكورا، وفيك أنزل اللّه

   تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ‏ فَأُوْلَِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) {الحشر: ٩/٥٩}،

   وأنت الكاظم للغيظ، والعافي عن الناس، واللّه يحبّ المحسنين، وأنت الصابر في البأسآء والضرّاء وحين البأس،

   وأنت القاسم بالسويّة، والعادل في الرعيّة، والعالم بحدود اللّه من جميع البريّة، واللّه تعالى أخبر عمّا أولاك من

   فضله بقولـه: (أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لّايَسْتَوُونَ * أَمّا الّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّلِحَتِ فَلَهُمْ جَنّتُ الْمَأْوَى

  ‏ نُزُلَا بِمَـا كَانُواْ يَعْمَلُـونَ){السجـدة: ١٨/٣٢ - ١٩}،  وأنت المخصوص بعلم التنزيل، وحكـم التأويل، ونصّ

   الرسـول، ولك المواقف المشهودة والمقامات المشهورة والأيّام المذكـورة، يوم بدر ويوم الأحزاب (إِذْ زَاغَتِ

   الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ

   الْمُنَفِقُونَ وَالّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مّرَضٌ مّا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُـهُ‏ إِلّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ

   لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النّبِىّ يَقُولُونَ إِنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلّا فِرَارًا) {الأحـزاب:

   ١٠/٣٣ - ١٣} وقـال اللّه تعالى:(وَلَمّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ‏ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَـذَا مَـا وَعَدَنَا اللّهُ وَرَسُولُهُ‏ وَصَدَقَ اللّهُ

   وَرَسُولُهُ‏ وَمَا زَادَهُمْ إِلّآ إِيمَنًا وَتَسْلِيمًا){الأحـزاب:  ٢٢/٣٣}، فقتلت عمروهم، وهزمت جمعهم؛ (وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ‏

   كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ قَوِيّا عَزِيزًا){الأحزاب:  ٢٥/٣٣}.

   ويوم أُحد إذ يصعدون ولا يلون على أحد والرسـول يدعوهم في أُخراهم وأنت تذود بهم المشركين عن النبـيّ

   ذات اليمين وذات الشمال‏{الذود: السوق والطـرد والدفع، القامـوس المحيط: ٥٦٨/١ (الذود)} حتّى ردّهم اللّه

   عنكما خائفين، ونصر بك الخاذلين. ويوم حنين على ما نطق به التنزيل: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْـنِ عَنكُمْ شَيًْا

   وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَْرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمّ وَلّيْتُم مّدْبِرِينَ * ثُمّ أَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ‏ عَلَى‏ رَسُولِهِ‏ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ) {التوبة:

   ٢٥/٩ - ٢٦} والمؤمنون أنت ومن يليك وعمّك العبّاس ينادي المنهزمين: يا أصحاب سورة البقرة ، يا أهل بيعة

   الشجرة حتّى استجاب له قوم قد كفيتهم المؤونة، وتكفّلت دونهم المعونة، فعادوا آيسين من المثوبة، راجين وعد

   اللّه تعالى بالتوبة، وذلك قـول اللّه جلّ ذكره: (ثُمّ يَتُوبُ اللّهُ مِن‏ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَـى‏ مَن يَشَآءُ){التوبة:٢٧/٩} وأنت

   حائز درجة الصبر،فائز بعظيم الأجر، ويوم‏ خيبر إذ أظهر اللّه خور المنافقين، وقطع دابر الكافرين،والحمد للّه

   ربّ العالمين؛ (وَلَقَدْ كَانُواْ عَهَدُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ لَايُوَلّونَ الْأَدْبَرَ وَكَانَ عَهْدُ اللّهِ مَسُْولًا){الأحزاب: ١٥/٣٣}.

    مـولاي! أنت الحـجّـة البالغـة، والمحجّـة الواضحـة، والنعمـة السـابغـة، والبرهـان المنير، فهنيئـا

   لك بما آتاك اللّه من فضل وتبّا لشانئك ذي الجهل، شهدت مع النبيّ صلّى اللّه عليه وآله جميع حروبه ومغازيه

   تحمل الراية أمامه، وتضرب بالسيف قدّامه، ثمّ لحزمك المشهور وبصيرتك في الأُمور، أمّرك في المواطن ولم

   تكن عليك أمير، وكم من أمر صدّك عن إمضاء عزمك فيه التقي، واتّبع غيرك في مثله الهوى ، فظنّ الجاهلون

   أنّك عجـزت عمّا إليه انتهى، ضلّ واللّه الظانّ لذلك ومـا اهتدى ، ولقد أوضحت ما أشكل من ذلك لمن توهّم

   وامترى بقولك صلّى اللّه عليك: قد يرى‏{امترى فيه وتمارى: شكّ، القامـوس المحيط: ٥٦٥/٤ (مرى)} الحوّل

   القلّب وجه الحيلة، ودونها حاجز من تقوى اللّه، فيدعها رأي العين، وينتهز فرصتها من لاحريجة له في الدين؛

   صدقت وخسر المبطلون وإذ ماكرك الناكثان فقالا: نريد العمرة، فقلت لهما: لعمر كما ما تريدان العمـرة ولكن

   تريدان الغدرة، فأخذت البيعـة عليهما، وجدّدت الميثاق فجدّا في النفاق، فلمّا نبّهتهما على فعلهما أغفلا وعـادا

   وماانتفعا وكان عاقبة أمرهما خسرا، ثمّ تلاهما أهل الشام ، فسرت إليهم بعد الإعذار وهم لا يدينون دين الحقّ،

   ولا يتدبّرون القرآن،همج رعاع ضالّون، وبالذي أُنزل على محمّد فيك كافرون، ولأهل الخلاف عليك ناصرون،

   وقد أمر اللّه تعالى باتّباعك وندب المؤمنين إلى نصرك، وقال عزّ وجلّ:(يَأَيّهَا الّذِينَ ءَامَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ

   الصّدِقِينَ){التوبة: ١١٩/٩} مولاي بك ظهر الحقّ وقد نبذه الخلق، وأوضحت السنن بعد الدروس والطمس، فلك

   سابقـة الجهاد على تصديق التنزيل، ولك فضيلة الجهاد على تحقيق التأويل، وعدوّك عدوّ اللّه، جاحد لرسـول

   اللّه، يدعـو باطـلاً ويحكم جائرا، ويتأمّر غاصبا ويدعو حزبـه إلى النار ، وعمّار يجاهد وينادي بين الصفّين:

   الرواح، الرواح إلى الجنّة، ولمّا {راح، رواحا: جـاء أو ذهب فـي الرواح أي العشيّ. المنجد: ٢٨٥ (راح)}

   استسقى فسقي اللبن كبّر وقال: قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله: آخـر شرابك من الدنيا ضياح من لبن،

   وتقتلك الفئة الباغية، فاعترضه أبوالعادية الفزاري فقتله، فعلى أبـي العادية لعنـة اللّه، ولعنة ملائكتـه ورسله

   أجمعين، وعلى من سلّ سيفه عليك، وسللت سيفك عليه ياأميرالمؤمنين من المشركين والمنافقين إلـى يوم الدين،

   وعلى من رضي بما ساءك ولم يكرهه، وأغمض عينه ولـم ينكر، أو أعان عليك بيد ، أو لسـان، أو قعد عـن

   نصرك، أو خذل عن الجهاد معك، أو غمط فضلك وجحد{غمط الحقّ: جحـده. المنجد: ٥٦٠ (غمط)} حقّك، أو

   عدل بك من جعلك اللّه أولى به من نفسه، وصلوات اللّه عليك ورحمـة اللّه وبركاته وسلامـ‌ه وتحيّاته، وعلى

   الأئمّة من آلك الطاهرين إنّه حميد مجيد.

   والأمر الأعجب، والخطب الأفظع بعد جحدك حقّك، غصب الصديقة الطاهرة الزهـراء سيّدة النساء فدكا، وردّ

   شهادتك وشهادة السيّدين سلالتك وعترة المصطفى صلّى اللّه عليكم، وقد أعلى اللّه تعالى على الأُمّـة درجتكم،

   ورفع منزلتكم، وأبان فضلكم، وشرّفكم على العالمين، فأذهب عنكم الرجس وطهّركم تطهيرا؛ قال اللّه عزّ وجلّ:

   (إِنّ الْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسّهُ الشّرّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلّا الْمُصَلِّينَ){المعارج: ٢٠/٧٠}.

   فاستثنى اللّه تعالى نبيّه المصطفى وأنت يا سيّد الأوصياء من جميع الخلق، فما أعمه من ظلمك عن الحـقّ، ثمّ

   أقرضوك سهم ذوي القربى مكرا، أو حادوه عن أهله جورا، فلمّا آل الأمر إليك أجريتهم على ما أجريا رغبـة

   عنهما بما عند اللّه لك، فأشبهت محنتك بهما محن الأنبياء عند الوحدة ، وعدم الأنصار، وأشبهت في البيات على

   الفراش الذبيح عليه السلام إذ أجبت كما أجاب، وأطعت كما أطاع إسماعيل صابرا محتسبا، إذ قال له:(يَبُنَىّ إِنِّى

   أَرَى‏ فِى الْمَنَامِ أَنِّى أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى‏ قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِى إِن شَـآءَ اللّهُ مِنَ الصّبِرِينَ)

   {الصافّات: ١٠٢/٣٧}، وكذلك أنت لمّا أباتك النبيّ صلّـى اللّه عليه‏ وآله وأمرك أن تضجع في مرقده واقيا له

   بنفسك، أسرعت إلى إجابته مطيعا، ولنفسك على القتل موطّنا ، فشكر اللّه تعالى طاعتك، وأبان عن جميل فعلك

   بقوله جلّ ذكره: (وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ){البقرة:  ٢٠٧/٢}، ثمّ محنتك يوم صفّين وقد

   رفعت المصاحف حيلة ومكرا فأعرض‏ الشكّ، وعرف الحقّ، واتّبع الظنّ، أشبهت محنة هارون إذ أمّره موسى

   على قومـه فتفرّقوا عنه، وهارون ينادي بهم ويقـول:(يَقَـوْمِ إِنّمَا فُتِنتُم بِهِ‏ وَإِنّ رَبّكُمُ الرّحْمَنُ فَاتّبِعُونِى وَأَطِيعُواْ

   أَمْرِى * قَالُواْ لَن نّبْرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتّى‏ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَـى‏) {طـه: ٩٠/٢٠ - ٩١}، وكذلك أنت لمّـا رفعت

   المصاحف قلت: يا قوم! إنّما فتنتم بها وخدعتم ، فعصوك وخالفوا عليك واستدعوا نصب الحكمين، فأبيت عليهم

   وتبرّأت إلى اللّه من فعلهم وفوّضته إليهم، فلمّا أسفر الحقّ وسفه المنكر، واعترفوا بالزلل والجور عن القصد،

   واختلفوا من بعده، وألزموك على سفه التحكيم الذي أبيته، وأحبّوه و حظرته وأباحوا ذنبهم الذي اقترفوه، وأنت

   على نهج بصيرة وهدى، وهم على سنن ضلالـة وعمى، فما زالوا علـى النفاق مصرّين ، وفي الغيّ متردّدين

   حتّى أذاقهم اللّه وبال أمرهم فأمات بسيفك، من عاندك فشقي وهوى، وأحيا بحجّتك من سعد فهدى، صلوات اللّه

   عليك غادية ورائحة وعاكفة وذاهبة، فمـا يحيط المـادح وصفك، ولا يحبط الطاعن فضلك ، أنت أحسن الخلق

   عبادة، وأخلصهم زهادة، وأذبّهم عن الدين، أقمت حدود اللّه بجهدك، وفللت عساكر المارقين بسيفك، تخمد لهب

   الحروب ببنانك، وتهتك ستور الشبه ببيانك، وتكشف لبس الباطل عن صريح الحـقّ ، لا تأخذك فـي اللّه لومةُ

   لائم، وفي مدح اللّه تعالى لك غنى عن مدح المادحين، وتقريظ الواصفين قال اللّه تعالـى: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ

   صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مّن قَضَى‏ نَحْبَهُ‏ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُواْ تَبْدِيلاً) {الأحـزاب:٢٣/٣٣} ولمّـا

   رأيت أن قتلت‏ الناكثين والقاسطين والمارقين،وصدّقك رسول اللّه صلّ اللّه عليه وآله وعده فأوفيت بعهده، قلت:

   أما آن أن تخضب هذه من هذه؟ أم متـى يبعث أشقاها؟

   واثقا بأنّك على بيّنة من ربّك وبصيرة من أمرك، قادم على اللّه، مستبشر ببيعك الذي بايعته به، وذلك هو الفوز

   العظيم. اللّهمّ! العن قتلة أنبيائك وأوصياء أنبيائك،بجميع لعناتك وأصلهم حرّ نارك، والعن من غصب وليّك حقّه،

   وأنكر عهده، وجحده بعد اليقين، والإقرار بالولاية له يوم أكملت له الدين. اللّهمّ! العن قتلـة أمير المؤمنين ومن

   ظلمه وأشياعهم وأنصارهم، اللّهمّ العن ظالمـي الحسين وقاتليه، والمتابعين عـدوّه وناصريه، والراضين بقتلـه

   وخاذليـه لعنا وبيلا. اللّهمّ! العن أوّل ظالم ظلم آل محمّد ومانعيهم حقوقهم ، اللّهمّ خصّ أوّل ظالم وغاصب لآل

   محمّد باللعن وكلّ مستنّ بما سنّ إلى يوم القيامة. اللّهمّ! صلّ على محمّد وآل محمّد خاتم النبيّين وعلى عليّ سيّد

   الوصيّين وآلـه الطاهـرين واجعلنا بهم متمسّكين ، وبولايتهم من الفائزين الآمنين الذين لا خوف عليهم ولا هم

   يحزنون».

   {البحار: ٣٥٩/٩٧، ح ٦

   مقدّمة البرهان: ١٧٩، س ٦، قطعة منه.

   فرحة الغريّ: ١٣٦، ح ٧٨، أشار إلى مضمونه.

   قطعة منه في (يمينه ‏عليه السلام)و(أحواله ‏عليه السلام مع المعتصم) و(إنّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم سيّد

   الخلق) و(إنّ آل محمّد: سادات الخلق) و(إعـلاء درجة الأئمّة: على الأُمّة) و(إنّ عليّاعليه السـلام كاشف لبس

   الباطل عن الحقّ) و(مشابهة مِحَن عليّ‏ عليه السلام بمحن الأنبياء:) و(إنّ عليّا عليه السلام أوّل من آمن باللّه عزّ

   وجلّ وصلّى له) و(منزلة عليّ‏عليه السلام يوم أُحد وحنين وخيبر) و(إنّ عليّا عليه السلام الحجّة البالغة والنعمة

   السابقة) و(إنّ عدّو عليّ‏ عليه السلام عدوّ اللّه)(غصب فدك الزهراء عليها السلام)و(حكم اليمين باللّه) و(الآيات

   والسور التي قرأها عليه السلام في الزيارات) و(دعاؤه ‏عليه السلام على من جحد ولاية عليّ‏ عليه السـلام) و

   (دعاؤه ‏عليه السلام على قتلة الأنبياء والأوصياء من آل محمّد:وغاصبى حقوقهم) و(دعاؤه ‏عليه السلام على أبي

   العادية وغيره من مخالفي عليّ‏ عليه السلام)(دعاؤه ‏عليه السلام على مستحلّي حرمة عليّ‏ عليه السلام) (دعاؤه

   ‏عليه السلام على من عدل عن عليّ‏ عليه السـلام) و(ما رواه عن رسول اللّه‏ صلى الله عليه و آله وسلم) و(ما

   رواه عن عليّ‏ عليه السلام) و(ذمّ أبي العادية قاتل عمّار)}.

 

الصفحة السابقة

الفهرست

الصفحة التالية